الکاتب: أبو رائف
الاستعمار(القسم الخامس والعشرون)
تغییرُ النظامِ الحکم والسلطة:
یُنفّذُ نظامُ الحکم والسلطةِ لهذه الغایة، حتى یُعَیِّنَ حقوقَ الأفراد، وتکالیفَ الأشخاص في المجتمع، ویمنعَ انتشارَالفسادِ والاضطرابِ فيه. ولكن يجب أن تكون إقامةُ النظامِ وضعُ القوانين في ضوء الدين، والثقافة، والقيم الأخلاقية والمعنوية، والوقائع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية والطبيعية للمجتمع، مع مراعاة الحالة النفسية للمجتمع، حتى لا تكونَ حاجاتُ البلاد وضروراتُها على جانبٍ، ويكون النظامُ والقوانين على جانبٍ آخر. وفي هذه الحالة، ينشأ الصراعُ بين الناس والنظام الحاكم، فمن جهةٍ يسعى الناسُ إلى الحفظِ على القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية وغيرها، وفي جانبٍ آخر يستخدم النظامُ الحاكمُ الضغطَ والإكراهَ للمطالبة بتطبيق القوانين والالتزام بها. وهذه الحركةُ الاستعماريةُ التي تسعى إلى مسحِ الجانب القضائي والحاكمي للإسلام من حياة المسلمين ونظامِهم القضائي، قد بدأت منذ سنواتٍ في البلدان الإسلامية، وأنشأت صراعًا مريرًا وعنيفًا في المجتمعات الإسلامية، ویدوم هذا الصراع المستمر قائمًا إلى اليوم، وتسعى الحركاتُ الإسلامية إلى تبليغ الناس نحو الأحكام الإلهية التي هي مصدر سعادة البشرية، وفي الجانب الآخر توجد الأنظمةُ العلمانيةُ والديمقراطيةُ التي لا تُقيم للأحكام والقوانين السماوية أيَّ قيمة، وتسعى إلى حذفها من المجتمع. ويكتب الدكتور حبنكة الميداني: «إنَّ من الأمور الجلیةِ في الشريعة الإسلامية أنها بأحكامها وقوانينها الإلهية تشمل الأحوال الفردية والاجتماعية للناس، بحيث إن الإسلام قد بيَّن لكل حالةٍ من أحوالِ الناس حكمًا يشتمل على مصالحهم الفردية والاجتماعية، وهذا أمرٌ لا خلاف فيه بين المسلمين، ولكن أعداء الإسلام يريدون إبعاد الإسلام عن أهدافهِ الحقيقية، ولا سيما الأحكام المتعلقة بمعاملات الناس، والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وما يشبهها، ويريدون أن یُبدّلوا القوانينَ الوضعيةَ والمدنيةَ محلَّها، ليُوجِدوا بذلك نوعًا من التشابه بين أحوالهم الخاصة والعامة وأحوال المسلمين، وليُهيِّئوا مقدمةً لإقتلاعِ أصولِ الإسلام وفروعه. وهم، من خلالِ التفريق بين الأحكام الشرعية، يسعون إلى تعميق هذه المقولة: الدين لله؛ أي إن الأحكام الدينية المتعلقة بالأمور العبادية هي لله تعالى، أما الأحكام المتعلقة بتنظيم الأحوال الخاصة والعامة للناس، والأمور المادية والأدبية، والسياسية وغير السياسية، في حالتي الحرب أو السلم، فلا علاقة لها بالإسلام والدين، وإنما ينظمها الناسُ بأنفسهم على أيِّ وجهٍ شاءوا. ويكتب بعد أسطر: «عندما ندخل المحاكم القضائية في أكثر البلدان الإسلامية، نجدُ روحَ القوانين الأوروبية نافذةً فيها، وعندما نستعرض المجالات الاقتصادية، نجد أن أسس النظام الاقتصادي الأوروبي الصهيوني حاكمةٌ في جميع مجالاته. وحين نُقيِّم الأسس التي تقوم عليها سياسة أكثر البلدان الإسلامية، نجد أنها كلها أسسٌ أوروبية، شرقيةً كانت أو غربيةً، بعيدةٌ عن الأسسِ الإسلاميةِ التي كانت سببًا في مجدِ المسلمين وعزتهم».
يكتب الأستاذُ يحيى محمد إلياس، مؤلف كتاب «الغزو الفكرية»: «عندما هاجم أعداء الإسلام البلدان الإسلامية بالغزو الفكري والثقافي، أدركوا حقيقةً أنَّ المسلمين متمسكون تمامًا بالشريعة الإلهية ومتمسكون بالقوانين الإسلامية، ولا يقبلون بأي حال من الأحوال بحاكمية القوانين الوضعية المصنوعة أو تطبيقها. وهنا، وبعد تفكيرٍ طويل، توصلوا إلى أنه لا سبيل لفوزهم إلا بإزالة الشريعة الإلهية والقوانين الإسلامية من بين المسلمين، وأن الطريق الوحيد لتحقيق ذلك هو السيطرة على قسمِ التشريع ومراكز وضعُ القوانين في البلدان الإسلامية، ولذلك بذلوا كل جهدهم للوصول إلى هذا الهدف بأي وسيلةٍ ممكنةٍ.» وقد کان هذا النوع من الاستعمارِ والصراعِ التشريعي في أفغانستان أيضًا. وفي هذه المرحلة، سعى المستعمرون إلى إبعاد الجانب القضائي والتشريعي للإسلام عن حياةِ المسلمين الفرديةِ والاجتماعيةِ والسياسية والاقتصادية وغيرها في هذا البلد، واستبداله بقوانين وضعيةِ من صنعهم، والعمل على تطبيقها في المجتمع. وفي هذا الاتجاه، صُمِّمت جميع القوانين الحقوقية والمدنية والجنائية والاقتصادية وغيرها وفق نظريتهم المعتمدة، وتم تنفيذها بواسطة برلمانات ومجالس كانت في معظمها ذات طابع تابع وممثِّل شكلي.
وفي هذه الحركة الاستعمارية، سعى المستعمرون إلى إبعادِ الأحكام والضوابط الشرعية عن حياة المسلمين في أفغانستان، ولتحقيق هذا الهدف قاموا بالإجراءات التالية:
1- تعطيل تنفيذ الحدود الشرعية في مجالات مختلفة، مثل: حد القصاص، وحد الزنا، وشرب الخمر، وقطع يد السارق، وغيرها؛
2- تعریفُ هذه الأحكام الشرعية على أنها أحكام منسوخة من صدر الإسلام، واتهام من يسعى لإحياء النظام الديني وتطبيق الحدود الشرعية بالإفراط ، والتخلف، والعنف، والإرهاب، ثم اعتقالهم وسجنهم؛
3- تغيير الأحكام المتعلقة بالأحوال الشخصية، واستبدال كثير من القوانين التي تقرّها منظمات حقوق الإنسان بدلًا من الأحكام الشرعية في مسائلِ مثل: الطلاق، وسن الزواج، ونفقة الزوجة، وحضانة الأولاد، وغيرها؛
4- استبدال عقوبة القصاص بالسجن والغرامة المالية، وما يترتب على ذلك من انتشار القتل والجريمة في المجتمع؛
5- إنشاء مراكز لصیانةِ النساء الهاربات من البيوت تحت مسمى «بيوت الأمان»، وما أدى إليه ذلك من انتشار الفساد والفحشاء؛
6- تبیسطُ الأحكام الإلهية المتعلقة بالحجاب والعفة الإسلامية، وتعميمُ اختلاط الذكور والإناث في الأماكن المختلفة تحت شعار حقوق الإنسان وحرية الأفراد، حيث كانت تُقام على نطاقٍ واسعٍ في وسائل الإعلام الرسمية والخاصة مجالس الرقص والموسيقى واللهو والعبث؛
7- تأويلُ وتوجيه الآيات والأحاديث الواردة في وجوب تطبيق الأحكام الإلهية في المجتمع؛
8- انتشارُ الرشوةِ والفساد الإداري بين القضاة والمحامين، وشراء القضايا والملفات المختلفة من قبل أصحاب المال والنفوذ؛
9- اتخاذُ القوانين الدولية نموذجًا لحل النزاعات والمسائل الأسرية، مع التغاضي عن تطبيق الأحكام الشرعية الإسلامية؛
10- الاعتمادُ على الدستور الوطني المستمد من قوانين دول غير إسلامية والخالي من أحكام الحدود الإلهية، وإهمال القوانين والأوامر الشرعية.
وهذه بعضٌ من الممارسات التي قامت بها الدول الاستعمارية في سبيلِ تهميشِ الجانب القضائي والنظام القانوني والتشريعي للإسلام في أفغانستان.
يتبع…
القسم السابق |القسم التالي
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version