الكاتب: أبو رائف
الاستعمار(القسم الثالث والعشرون)
التغیيرات في التعلیم والتعلیم العالي في أفغانستان
المعرکة الأخرى التي نجح الاستعمار فیها هي معرکة التغیير الفکري والتغریب وحقق فيها الاستعمار بنجاحٍ كبيرٍ في مسألة التعلیم والتعلیم العالي، والمراکز التعلمية فی أفغانستان، فقد سعوا إلى تهميشِ المنهجِ التعليميِّ الإسلاميِّ وإحلالِ النماذجِ التعليميةِ الغربيةِ محلَّه. ولا شكَّ أنَّ تقدُّمَ الدولِ والأنظمةِ وازدهارَها، كما أنَّ انحطاطَها، مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بمستوى التعليمِ والتربيةِ فيها؛ بحيث إنَّ كلَّ دولةٍ تتقدَّمُ غيرَها في ميادينِ التعليمِ والتعلُّمِ والتعليمِ العالي كانت أسبقَ منها أيضًا في مجالِ الحضارةِ الماديةِ. وكذلك، فإنَّ التعليمَ والتعلُّمَ والتعليمَ العالي إذا كانت منسجمةً مع عقائدِ الأمم وأفكارِها وثقافتِها، فإنَّ تلك الأمم لن تجدَ صعوبةً في تقبُّلِه وتطبيقِه، ولن تُبديَ تجاهَه أيَّ حساسيةٍ تجاهه. وعندئذٍ يتطوَّرُ التعليمُ والتربيةُ بسرعةٍ وعلى نطاقٍ واسع، مع مراعاةِ الأحوالِ والظروفِ المختلفة، فيُسهمُ في كلِّ مرحلةٍ في رفعِ مستوى أبناءِ الوطنِ وترسيخِ دعائمِ الاستقرارِ والسيادةِ السياسية. أمّا إذا كانت عمليّةُ التعليمِ والتربيةِ لا تقوم على دينِ المجتمعِ وأخلاقِه وثقافتِه السياسيةِ والاجتماعية، بل وُضِعَت من قِبَلِ الأجانب لتحقيقِ أهدافِهم الخاصة، وقامت على أسسٍ ومبادئَ دينيةٍ وسياسيةٍ وفكريةٍ واجتماعيةٍ لأمّةٍ أخرى، ثم فُرِضَت على المجتمعاتِ الإسلامية؛ وكان خِرّيجو تلك المناهجِ والأنظمةِ قد أثبتوا عمليًّا أنهم لا يبالون بدينِ أمّتِهم وعقائدِها، بل يُظهرون العداءَ لها صراحةً، كما أثبتوا أنهم يُقدِّمون مصالحَ الدولِ الاستعماريةِ على مصالحِ أوطانِهم وشعوبِهم، ويزدرون تاريخَ أمّتِهم ويفتخرون بتاريخِ الحضارة الغربية، ويسوقون أبناءَ أوطانِهم إجباراً إلى التبعيةِ للدولِ المستعمِرة؛ فإنَّه من الطبيعيِّ عندئذٍ أن یقومَ حماةُ فكرِ الأمّةِ وثقافتِها في المجتمعاتِ الإسلامية لمقاومةِ مثلِ هذه المناهجِ والأنظمةِ الدخيلةِ والمستوردة، وأن يعملوا على الحيلولةِ دون تطبيقِها.
ويكتب الدكتور عبد الرحمن حبنكة الميداني، متحدثًا عن الوسائل التي استخدمها المستعمِرون لإحداثِ تغييرٍ جذريٍّ في أنظمةِ التعليمِ والتعليمِ العالي في البلدانِ الإسلامية، فيقول:
1- لقد جرت عمليةُ حرمانِ الأجيالِ المسلمةِ من العلومِ التطبيقيةِ والعمليةِ بوسائلَ وأساليبَ متعددة، من أبرزها حرمانُ أبناءِ المسلمين من العلومِ العمليةِ، وصرفُهم إلى العلومِ النظريةِ المحضةِ البعيدةِ عن ميادينِ التطبيقِ والعمل، حتى تُسلبَ قدراتُهم العلميةُ وطاقاتُهم الإبداعية، فلا يتمكنوا من تقديمِ الاختراعاتِ والابتكاراتِ في مختلفِ مجالاتِ الصناعاتِ الحديثة.
2- إشغالُ أبناءِ المسلمين بالفلسفاتِ الفكريةِ المتناقضةِ والمتضادّةِ، وإغراقُهم في الصراعاتِ الفكريةِ والاجتماعية؛ بغيةَ استنزافِ قدراتهم الفكريةِ والجسديةِ وإضعافِ طاقاتهم.
3- إشغالُ أبناءِ المسلمين بجانبٍ من التعبيراتِ الأدبيةِ المرفوضةِ عديمةِ الجدوى، التي يُطلَقُ عليها اسمُ «الأدب»، من غير أن تُثمرَ تربيةً أخلاقيةً راسخةً أو فكرًا علمياً، أو تُنشئَ شخصيةً راقيةَ الذوق، أو تُنمِّيَ مشاعرَهم.
4 – إدراجُ فنونٍ كالرَّقصِ والتمثيلِ والموسيقى والتصويرِ والرسمِ ونحوِها ضمن قائمةِ المواد الدراسية التي يُزعَمُ أنَّ تقدُّمَ الأممِ متوقّفٌ عليها؛ وذلك بقصدِ توجيهِ طاقاتِهم المعرفيةِ والفكريةِ إلى هذه المجالاتِ وصرفِهم عن العلومِ النافعةِ المؤثِّرة. وبسببِ هذه الأمورِ تتكوَّنُ لدى الطالبِ المسلمِ عُقدةٌ نفسيّةٌ وشعورٌ بالنقص، ويظلُّ في الوقتِ نفسِه يعاني جهلًا عميقًا بالعلومِ العمليةِ النافعةِ التي تُسهمُ في نهضةِ الأممِ المتأخِّرةِ وتقدُّمِها. وعندما نتأمّلُ في أساليبِ المستعمِرينَ في إدارةِ النظامِ التعليميِّ والأكاديميِّ في أفغانستان، نجدُ أنهم قد مارسوا جميعَ هذه الأساليبِ وطبّقوها على أرضِ الواقع. ولم يقتصرْ الأمرُ على ذلك، بل نفَّذوا كذلك أمورًا أخرى لا تُحصى، تركت آثارًا سلبيةً على النظامِ التعليميِّ والأكادمي في أفغانستان، وعلى أفكارِ الطلابِ وعلى مستقبلِ هذا البلدِ أيضًا.
يتبع….
