المؤلف: أبو رائف
الاستعمار(القسم الثاني والعشرون)
الاستعمار الثقافي والفكري في أفغانستان
لم یكتف الاستعمار بالجرائم الحربیة التی ارتکبها في الزمن احتلاله، رغم ذلك، فإن القسم الأعظم من جرائمه كان الاستعمار الثقافي ارتكبه زمن احتلاله، وعمل المحتلون لتطبیق هذه الغایة أقصی جهدهم وهيّأوا الظروف لتنفیذ ذالک؛ لیتبعهم جمیع الناس حتي یدخل الناس تحت عَلَمِهم. حاولوا تحقيقَ أهدافهم عبر أساليب متعددة واستخدام وسائل متنوعة لإرساء الاستعمار والهيمنة على فكر الناس، ولا سيما الشباب في هذا البلد فمن التحكم في النظام التعليمي إلى بسطِ النفوذ على وسائل الإعلام، ومن نشر الفحشاء والفساد والانحلال الأخلاقي إلى السعي  لإضعاف الاعتقاد بالنظام الإسلامي والتشكيك في قدرةِ الفكر الإسلامي على معالجة الشبهات  والرَّد على تساؤلات الشباب وسائر فئات المجتمع؛ فقد أخضعوا كل ذلك لسيطرتهم ونفوذهم. وفي جانب آخر، بذل المحتلون جهودًا کثیرةً ومتواصلةً لطمس النظام الإسلامي وإبعاد فكرة الخلافة الإسلامية والإمارة الإسلامية عن أرض أفغانستان، ولتنفیذ هذا الهدف المهم، أسسوا في البلاد الإسلامي نظامًا وحكومةً قائمين على الديمقراطية والعلمانية، كما سعوا إلى توجيه الرأي العام ودفع الأمة إلى التأثر بدعايتهم ومظاهرهم الخادعة، فاستولوا على وسائل الإعلام الجماهيرية، وأخضعوها لنفوذهم، وقاموا بتمويلها وتوجيهها بما يخدم أهدافهم.وفي هذا المبحث، نتناول بالدراسة والتحليل موضوع الاستعمار الفكري والثقافي الذي مارسته الدول المحتلة على مختلف طبقات المجتمع الأفغاني.
تغيير النظام السياسي والحكم في أفغانستان
لا شك أن أفغانستان بلدٌ إسلاميٌ يقوم على العقيدة الإسلامية والتقاليد والأعراف المأخوذة من الإسلام. ومثل هذا البلد يحتاج حاجةً ماسةً إلى نظام السیاسي إسلامي، وقد بذل الشعب الأفغاني المسلم عبر تاريخه جهودًا وتضحياتٍ كبيرة لإقامة هذا النظام والمحافظة على إسلامية دولته. فقد خاض حروبًا مع قوى عظمى مختلفة، وضحّى بأرواح أبنائه وأمواله النفيسة والثمينة، ولم يقبل بحكومة غير دينية أو مناقضة لتعاليم الإسلام. وبعد بسط نفوذهم على أفغانستان، عمل المحتلون على إنشاء نظام جمهوري انتخابي قائم على القيم والقوانين الغربية، وحاولوا من خلاله معالجة قضية أسلوب الحكم في أفغانستان وحلَّ الجدل القائم حولها. غير أنهم غفلوا عن أن هذا النوع من الأنظمة لا يمكنه تحقیق طموحات الشعب الأفغاني المسلم أو يستجيب لمشاعره الدينية، كما أنه لا يستطيع تطبيق الأحكام الإلهية والتعاليم الإسلامية في هذه الأرض الإسلامية.
لماذا لا يستطيع النظام الجمهوري تطبيق الإسلام؟
على الرغم من أن النظام الجمهوري والانتخابي يبدو في الظاهر أفضل من الأنظمة الملكية والاستبدادية والدكتاتورية، إلا أن هذا النوع من الحكم يُعدّ أشد خطورة من غيره؛ لأنه يقوم على أسس وقيم مستمدة من الفكرالغربي والديمقراطية الغربية، وهي أسس تتعارض مع المبادئ والقيم الدينية والوطنية والأخلاقية والسياسية التي یعتقد بها العالم الإسلامي.
نماذج من تعارض النظام الجمهوري مع النظام الإسلامي كما يلي:
1- عدم مراعاة العلم والخبرة والعقل والتدين والأمانة لدي الناخب؛
في الأنظمة الجمهورية تُحدِّد أصوات الناخبين هیکل النظام الحاكم، ويملك جميع أفراد المجتمع صوتًا واحدًا لكل فرد، في حين يُساوى بين الجاهل الذي لا يملك العلم أو القدرة على تحليل الوقائع والأحداث، وبين العالم والمفكر الذي يمتلك رأيًا وبصيرةً في المجال السياسي والحكم. كما يُساوى بين الشخص المتقي الأمين الذي يتحلى بالصدق وحفظ الأمانة، وبين الشخص الخائن المعروف بالغدر وارتكاب أنواع الفساد. وهذا الأمر لا يمكن أن يضمن جمع الأصوات وفق مصالح البلاد واحتياجاتها الأساسية.
2- إتاحة المجال لتأهیل الأشخاص الفاسدين وغير المتدينين؛
إن الأنظمة الجمهورية والانتخابية القائمة على الديمقراطية الغربية تتيح نظريًا لكل فرد في المجتمع، مهما كانت ديانته أو توجهه، أن يترشح للانتخابات، ومن ثم يتولى الحكم إذا حصل على الآراء الكافية. بل إن الواقع يشير في كثير من الأحيان إلى أن أشخاصًا صالحين وأتقياء قد ترشحوا، إلا أنه تم منعهم من المشاركة أو من الفوز بحجج مختلفة. وحتى في حال فوزهم في انتخابات، فقد تم عزل حكوماتهم عبر الانقلابات العسكرية والتحركات السياسية، واعتقال مسؤوليهم وإلقاءهم السجون.
3- تقيُّد الحكومات الجمهورية برأي الأغلبية؛
إن الحكومات القائمة على الانتخابات والنظام الجمهوري لا تجعل قراراتها وتشريعاتها مبنية على الجواز أو المنع الشرعي، بل تعتمد على رأي الأغلبية في اتخاذ القرارات وإصدار القوانين، حتى لو تعارضت هذه القرارات مع الأحكام الإسلامية. فمثلًا، إذا صوّت جميع أعضاء مجلس الوزراء على إباحة الربا، فإن هذا القرار يصبح قانونيًا.
وبذلك فإن هذا النظام يجعل حق التشريع من اختصاص البشر، ولا يُدخل الشريعة الإسلامية في عملية التشريع، بل يترك تحديد الحق والباطل للبشر أنفسهم.
4-  الغربي الخالص لهذه الحكومات؛
جميع الحكومات التي تطلق على نفسها اسم جمهورية وديمقراطية تسير وفق المنهج الفكري والسياسي الغربي وتتجلی فيها خصائص الحياة الغربية وأنماط تفكيرها بشكل واضح. وقد فُرضت هذه الأنظمة على الدول الإسلامية، ولم تُبدِ رغبة في تطبيق أي مادة من مواد القوانين الإسلامية في البلدان الإسلامية.
ورغم أن هذه الأنظمة تُعرّف نفسها بأنها وطنية وشعبية ومرتبطة بإرادة الأغلبية، إلا أنها في حال مطالبة الأغلبية المسلمة بتطبيق الأحكام الإسلامية والالتزام بالدين، فإنها تتهمهم بالرجعية والتطرف والإرهاب، وقد يتعرضون للاعتقال أو النفي.
وقد أدت جميع هذه العوامل إلى أن الشعب المسلم في أفغانستان لم يقبل مطلقًا حكومةً موالية للغرب والأمريكيين، والتي كانت ترفع شعار الجمهورية والشمولية فقط، وفشلت القوى الاستعمارية في تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في استبدال النظام الإسلامي بنظام جمهوري غربي.
وفي الواقع، قامت الدول الغربية بتطبيق نموذج شكلي وظاهري فقط للنظام الجمهوري والمدني في أفغانستان، بينما كان هذا النظام في حقيقته مليئًا بالفساد الواسع والمشكلات المعقدة التي لا يمكن السيطرة عليها.
یتبع….
القسم السابق|القسم التالي
 
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version