
الكاتب: المفتي أبو سعید "راشد"
المقتداء(الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله)(القسم السادس)
منهجُ الإمام أبي حنيفة رحمه الله في استنباط المسائل وقوةِ استدلاله
النقاطُ الأساسية: الاستنباط، الإمام أبو حنيفة رحمه الله، الاستدلال.
أهميةُ البحث:
بما أنَّ شعب أفغانستان يتبع، على وجه العموم، ومنذ مئات السنين، المذهب الحنفي، إلا أنه في الوقت الحاضر، ومن جهة، تُوجَّه إلى هذا المذهب، العديد من الانتقادات غير المبررة وغير المستندة إلى دليل من قِبَل بعض الجهات الحاقدة، ومن جهة أخرى فإن كثيرًا من شبابنا لا يملكون معلومات كافية حول مكانة مذهبهم وقوة أدلته واستدلالاته، مما يجعلهم عرضة لمكائد الأعداء. لذلك، ينبغي كتابة دراسات ومقالات مفيدة ومفصلة في هذا الموضوع، حتى يكون شبابنا على دراية بـصحة مذهبهم، ويكونوا في مأمن من شِراك الأعداء.
أسبابُ البحث:
هناك ثلاثة أسباب رئيسية لهذا البحث:
-
أنَّه في خلال العقدين الماضيين (فترة الاحتلال) في أفغانستان، بُذِلَ جهدٌ كبيرٌ لنشر اللادينية، مما أدى إلى إثارة الخلافات داخل المجتمع الديني في أفغانستان.
-
ومن جهة أخرى، وبالاستفادة من الشعار الزائف “لـ حرية المذهب وحرية التعبير” في عهد الجمهورية، أُتيحت الفرصة لبعض الأشخاص غير الملتزمين دينيًا لأن يغيّروا مسارهم الديني، وأن يثيروا الشكوك لدى الناس حول الدين.
-
ثالثًا: أن إدارة ” كلمات” قد جُهِّزَت لعقد مؤتمرٍ مهيب حول مناقب الإمام الأعظم الإمام أبو حنيفة رحمه الله والمذهب الحنفي، وطَلَبتْ منا أيضًا أن نكتب شيئًا في هذا الموضوع.
أهدافُ البحث:
يهدف هذا البحث إلى تحقيق ما يلي:
-
زيادة الوعي العام بالمذهب الحنفي.
-
بيان أدلة أرجحية المذهب الحنفي وتفوقه.
-
محاولة الرد على الانتقادات غير المبررة الموجَّهة إلى المذهب الحنفي.
منهجُ البحث وأسلوبه:
اعْتَمَدَتْ هذه المقالة على المنهجين الوصفي والتحليلي، وذلك من خلال الرجوع إلى الكتب والمكتبات ومصادر المعلومات المختلفة، مع التركيز بشكل خاص على الدراسات والمقالات ذات الصلة بهذا الموضوع.
المقدمة:
الاستنباط في الفقه يُقصد به عملية استخراج الأحكام الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع والقياس وسائر المصادر الفقهية، وذلك لمعالجة القضايا الجديدة والمتغيّرة في حياة الناس من قِبل المجتهدين. ويُعدّ هذا العلم من الأعمدة الأساسية في الفقه الإسلامي، إذ يعتمد عليه الفقهاء في الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية بما يحقق اكتمال تطبيق الشريعة. الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله، هو من أشهر وأبرز أئمة أهل السنة، كان له منهج خاص في استنباط الفقه. فقد كان يعتمد في استخراج الأحكام الفقهية على دراسة عميقة وشاملة لنصوص الشريعة، كما كان يستفيد من أصول متعددة مثل القياس، والإجماع، والاستحسان، والعرف، واجتهادات الصحابة رضي الله عنهم. لم تكن طريقة استنباطه مقتصرة على استخراج الأحكام من القرآن الكريم والحديث الشريف فحسب، بل كان يستدل أيضًا في بيان الأحكام الفقهية بالإجماع والقياس والاستحسان وأقوال الصحابة والعرف، وتُعدّ هذه الأساليب في استنباط الإمام أبي حنيفة ذات إسهام كبير في تطور الفقه الإسلامي، ولا تزال إلى اليوم تُعدّ أساسًا للفهم الفقهي عند أتباع المذهب الحنفي.
الاستدلال: هو تقديم الدليل، أو طلب الدليل من شخصٍ ما، ويُسمّى ذلك استدلالًا.
موضوع البحث: منهج الإمام أبي حنيفة رحمه الله في استنباط المسائل وقوة الاستدلال.
الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله كان من كبار المجتهدين في الفقه الإسلامي، وله منهج خاص في الاستنباط والاستدلال، كما يُعدّ مذهبه من بين المذاهب الفقهية الأربعة في العالم أقدمها، وهو من أفضلها من حيث منهجية الاستنباط وقوة الاستدلال، وهي حقيقة لا يمكن لأحد إنكارها، فما هي طريقة الاستنباط في هذا المذهب؟ وما هو أساس قوة الاستدلال فيه؟ قُدِّمَت الإجابة عنها في هذه المقالة، حيث قُسِّمت إلى مبحثين.
المبحث الأول: منهج الإمام أبي حنيفة رحمه الله في استنباط المسائل
ألف: المنهج العام للاستنباط:
فيما يتعلق بالمنهج العام لاستنباط المسائل، يقول الإمام أبو حنيفة رحمه الله:
(إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالآثار الصحيحة عنه التي انتشرت بين الثقات. فإذا لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذت بقول من شئت من أصحابه، وأترك قول من شئت، ولا أخرج عن أقوالهم إلى أقوال غيرهم. فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن المسيب ـ وذكر منهم رجالًا ـ فلي أن أجتهد كما اجتهدوا)[1] وفي روايةٍ أخرى قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: (مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ، وَمَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِهِ اخْتَرْنَا، وَمَا كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَنَحْنُ رِجَالٌ وَهُمْ رِجَالٌ)[2] و أیضًا قال رحمه الله تعالی: (إِذَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَى الرَّأْسِ، وَإِذَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِهِ نَخْتَارُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ، وَإِذَا جَاءَ عَنِ التَّابِعِينَ زَاحَمْنَاهُمْ)[3] يتبيّن من الروايات المتقدمة أن الإمام أبو حنيفة رحمه الله كان يقدّم العمل بالقرآن الكريم قبل كل شيء؛ فإذا ورد فيه حكمٌ صريحٌ قطعيّ عمل به، فإن لم يجده فيه رجع إلى السُّنَّة، ثم إلى أقوال الصحابة، ثم إلى القياس.
ب: القواعد السبعة لاستنباط الأحكام الشرعیة عند الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله:
كان الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله يرجع أولًا في كل حكم إلى القرآن الكريم، لأن القرآن هو أهم وأوثق مصدر في الشريعة الإسلامية، فكل حكم ورد فيه نصٌّ واضح، كان الإمام أبو حنيفةرحمه الله يعمل به مباشرة.
مثلًا: إنَّ تحريم الربا (الفائدة) قد ورد بشكل صريح في القرآن الكريم، حيث مُنع بوضوح ولاحاجة للاجتهاد في ذلك.[4]
-
السُّنَّة (أحاديث رسول الله صلی الله علیه وسلم).
إذا لم يجد الإمام الأعظم أبو حنیفة رحمه الله تعالی حكمًا صريحًا في القرآن في مسألةٍ ما، فإنه كان يرجع إلى سُنَّة رسول الله صلی الله علیه وسلم (الأحاديث)، ولا يعمل إلا بالحديث الذي ثبت لديه بسندٍ صحيح، ويستدل به، وكان يتجنب الاستدلال بالأحاديث الضعيفة أو المشكوك فيها.
أصولُ قبول الحديث
الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان رحمه الله کان لا يقبل في استنباطاته الفقهية إلا الأحاديث الصحيحة والموثوقة، وكان لديه في هذا المجال معايير صارمة جدًا، احتياطًا لصيانة أصول الدين وأحكامه. ومن أهم أصوله في قبول الحديث ما يلي:
سندُ الحديث ورواته: كان أبو حنيفة النعمان رحمه الله لا يقبل إلا الأحاديث التي يكون رواتها ثقات، عُدول، وذوو حفظٍ قوي، وكان يتحقق من عدالة الرواة ورعهم وصدقهم.
الأحاديثُ المشهورة أو المتواترة: كان الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله يُرجّح الأحاديث التي نُقلت على نطاق واسع وبشكل متواتر، لأن هذه الأحاديث مقبولة على نطاق واسع بين الناس.
الأحاديث الأحاد: كان الإمام الأعظم أبو حنیفة رحمه الله یدقق في قبول الأحاديث الغريبة (وهي الأحاديث التي يرويها راوٍ واحد أو اثنان فقط)، لأن هذا النوع من الأحاديث قد يكون فيه ضعف في السند.
قد وضع الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله تعالی شروطًا خاصة لقبول الحديث، وهي:
-
أن لا يكون الحديث متعارضًا مع القرآن الكريم أو السنة المتواترة.
-
أن يكون الحديث متوافقًا مع العقل، والمصلحة العامة، والأصول الفقهية.
-
أن يكون الحديث منقولًا عن العلماء المشهورين والمقبولين.
قبولُ خبر الواحد
كان الإمام الأعظم أبو حنیفة رحمه الله تعالی شديد التحفّظ في قبول خبر الواحد (وهو الحديث الذي يرويه راوٍ واحد)، خصوصًا إذا كان هذا الحديث يتعارض مع الأصول العامة أو الإجماع، وكان يرى أن خبر الواحد يجب التعامل معه بحذر، ولا يُعتمد عليه في مسائل العقیدة والفقهية المهمة، إلا إذا كان راويه موثوقًا جدًا.
كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله يعدّ الإجماع (اتفاق العلماء على مسألة معينة) مصدرًا معتبرًا، فإذا لم يوجد نصّ واضح في القرآن أو السنة بخصوص مسألة ما، كان يرجع إلى إجماع الصحابة أو التابعين.
تعریفُ الإجماع ومفهومه:
الإجماع في اللغة: الاتفاق والعزم.
وفي علم أصول الفقه: اتفاق مجتهدي أمة محمد صلی الله علیه وسلم بعد وفاته في عصرٍ من العصور على حكم شرعي في مسألة من المسائل.
شروطُ الإجماع:
لقد وضع العلماء أربعة شروط لانعقاد الإجماع، وهي:
-
في الزمن الذي يقع فيه الإجماع يجب أن يصل الحكم إلى جميع علماء ذلك الوقت.
-
بعد سماع الحكم يجب أن يمر وقت كافٍ يتمكنون فيه من التأمل والتفكير فيه.
-
بعد التأمل والتفكير يجب أن يكونوا جميعًا متفقين على رأي واحد.
-
ألا يكون الإجماع مخالفًا للدليل الشرعي من القرآن الكريم أو الحديث.
إذا اتفق الناس جميعًا على خلاف دليل شرعي، فلا يمكن أن يُسمّى ذلك إجماعًا صحيحًا.
سندُ الإجماع:
الدليل الذي يستند إليه الإجماع ويقوم عليه يُسمّى سند الإجماع، مثلًا: خبر الواحد في مسألة ميراث الجَدّة يُعدّ سببًا لحدوث الإجماع.
يتبع…
[1] الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي (1/ 424).
[2] مختصر المؤمل في الرد إلى الأمر الأول (ص: 62) رقم (147).
[3] المرجع السابق (ص: 63) رقم (150).
[4] (سورة البقرة: 275-279).