الكاتب: عبد الحی لیان

النموذج التربوي الإلهي في أسَر الأنبياء عليهم السلام

  (الجزء الثاني)

 

إن في ضوء المناقشات السابقة، يمكن الإدراك بوضوح أن الأسرة ليست مجرد مؤسسة اجتماعية أساسية، بل هي مركز إستراتيجي لتشكيل الحضارة، وتربية الجيل الإنساني، وتحقيق الأهداف السامية للحياة البشرية. لقد تناولت التعاليم الوحيانية، وخاصة آيات القرآن الكريم، بأفق عميق وحكيم، مختلف أبعاد هذه المؤسسة، من تأسيسها الأولى إلى وظائفها التربوية، والأخلاقية، والاجتماعية على مستوى الفرد والمجتمع.
وتكشف دراسة المنظومة القرآنية حول الأسرة، وسيرة الأنبياء العملية، وبُنى الأسرة الداخلية، بوضوح أن للأسرة مكانة أساسية لا تُستبدل في المنظومة الفكرية والتربوية للإسلام.
ومن هذا المنطلق، توصّل كاتب هذا البحث، بعد اطلاعه على سعة المفهوم وعمق المحتوى المتعلق بالأسرة في القرآن الكريم، إلى أنّ دراسة هذا الموضوع بشكل علمي ومنهجي باتت ضرورة مُلحّة، إذ لا تقتصر أهميته على البُعد النظري والمعرفي فحسب، بل تمتد إلى الجانب العملي والاستراتيجي في إعادة بناء وتقوية كيان الأسرة في المجتمعات المعاصرة، ولذلك، نشأت فكرة البحث حول «النموذج التربوي الإلهي في أُسر الأنبياء» برؤية تحليلية وتربوية وحضارية، لتُمكّن من اكتشاف الأسس القرآنية، والاستفادة من طاقات الوحي في إعادة تعريف العلاقات الأسرية، ومعالجة التحديات المعاصرة.
سيدنا آدم عليه السلام وأسرته
إنّ سيدنا آدم عليه السلام هو أوّل نبيٍّ من أنبياء الله وأبٌ لجميع البشر، فقد خلقه الله تعالى من طين، ثمّ جعله ييبس حتى إذا ضُرب عليه، أخرج صوتاً كصوت الفخار، ثم أتمّ خلقه على مراحل، ونفخ فيه من روحه، فصار آدم كائناً حيّاً ذا لحمٍ وعظمٍ وإدراكٍ وقدرةٍ على الحركة، ونقرأ في القرآن الكريم:
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ)[1]. ويقول في موضع آخر: (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّار).[2]
وبناءً على الإرادة الإلهية، كان لا بُدّ أن تُعمر الأرض بيد الإنسان، لذلك خلق الله لآدم زوجةً من جنسه لتكون له سكناً ومصدرَ راحة، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الأمر في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا).[3]
وكذلك يقول في موضع آخر: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَه).[4]
يعتقد أغلب المفسّرين أن «حواء» خُلقت من ذات آدم عليه السلام، وقد نُقلت في هذا الشأن روايات متعدّدة، وتذكر بعض المصادر أنّ خلقها كان من الضلع الأيسر لآدم عليه السلام، وإن كان هذا القول لا يُعدّ قطعياً ولا محلّ إجماع، بل هو تفسير احتمالي.[5]
ذكر رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم في بيان حكيم وعميق، مبيّناً خصائص النساء، فقال: «استوصوا بالنساء خيراً، فإنّ المرأة خُلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن أردت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً».[6]
يشير هذا الحديث إلى الفروق الطبيعية والنفسية بين الرجل والمرأة، ويؤكّد أنّ هذه الفروق، إذا قُوبلت بالحِلم والحكمة، فإنّها تُشكّل أساس السكينة والاستقرار في الأسرة، ومحاولة تغيير الطبيعة الفطرية للمرأة قد تؤدّي إلى خلل في العلاقات الإنسانية، بينما قبول هذه الفروق مقروناً بالرحمة والتفاهم المتبادل، يُفضي إلى الرحمة والتآلف.
آدم وحواء في الجنة
تُعرض في القرآن الكريم، قصة خلق الإنسان وسُكنى آدم وحواء في الجنة كنقطة انطلاق للاختبار الإلهي للإنسان، فقد أسكن الله تعالى آدم عليه السلام وزوجه في الجنة، وأذن لهما أن ينتفعا بنعيمها المتعدد، غير أنّه نهاهما صراحةً عن الاقتراب من شجرةٍ معيّنة. ويمكن اعتبار هذا النهي الإلهي تنبيهاً إلى ضرورة الابتعاد عن مواطن الشبهات، لأنّ الدخول في مجالات الشبهة يكون تمهيداً لارتكاب المحرّمات. يقول الله تعالى في هذا السياق: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ).[7]
وقد أشار الفقهاء والمفسىرون في تفسير هذه الآية، إلى نقطة دقيقة، وهي أن النهي عن الاقتراب من الحرام يدل على دقة نظر الشريعة في الوقاية من الوقوع في الخطأ، لأن دخول المنطقة المحظورة، وإن لم يكن بنية المعصية، يزيد من احتمال السقوط في الذنب.[8]
ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّ قصة إبليس، باعتباره العدوّ القديم للإنسان، تُبيّن منذ بداية الخلق نشوء مواجهة عميقة ودائمة بين الإنسان والشيطان، فقد طرد إبليس من رحمة الله بسبب استكباره وامتناعه عن السجود لآدم، وطلب من الله أن يُمهله إلى يوم القيامة ليتمكّن من إضلال بني آدم، وقد بيّن القرآن الكريم هذه القصة بقوله: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ).[9]
ووفقًا لآيات القرآن الكريم، فإن إبليس بعد طرده من الجنة أعلن مهمته، وهي وسوسة الإنسان وإبعاده عن سبيل الحق، فهو يسعى بكل وسيلة ممكنة، بما في ذلك إثارة الشهوات، وخلق الأماني الزائفة، وإثارة الشكوك والريب، ليصرف الإنسان عن أمر الله، ونقرأ في القرآن الكريم(قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ).[10]
ولكن في مواجهة هذا التهديد، أعلن الله تعالى موقفاً حاسماً، فطرد إبليس بالمهانة والذل من رحمته وربط مصير أتباعه بنار جهنم: (قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِين).[11]
وهكذا بدأ تاريخ الإنسان باختبار إلهي، اختبار يتمثل في الصراع بين الإلهامات الرحمانية ووساوس الشيطان كأرضية لقياس الإيمان والإرادة والاختيار لدى الإنسان عبر التاريخ. ووساوس إبليس ذات طبيعة نفسية وغير محسوسة، وتُعرض دائماً على الإنسان في صورة جاذبيات دنيوية وأماني مغرية، وفهم هذه الآلية هو جزء من الفهم العميق لحكمة الله في الخلق والواجب الإنساني.
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

1. الحجر/۲۸.
2. الرحمن/۱۴.
3. الأعراف/۱۸۹.
4. الروم/۲۱.
5. علی محمد، الصّلابی، قصّة بدء الخلق و خلق آدم علیه ‌السلام، بیروت: دار ابن کثیر، الطبعة الأولى، ۱۴۴۲هـ، ص۳۹۷.
6. محمد بن إسماعیل، البخاري، صحیح البخاري، تحقيق: د. مصطفى دیب البغا، بیروت: دار ابن کثیر، الطبعة الثالثة، ۱۴۰۷هـ، رقم الحديث: ۳۳۳۱.
7. البقرة/۳۵.
8. محمد رشید رضا، تفسير المنار، بیروت: دار المعرفة، ۱۹۳۵م، ج، ص۳۴۶.
9. الحجر/۳۴-۳۷.
10. ص/۸۲-۸۳.
11. الأعراف/۱۸.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version