أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل، خزانة العلم وإمام الفقهاء، كان فقيهاً عظيماً في مستوى الأمة، يتمتع بمعرفة عميقة عن الحلال والحرام، وكان من خيرة شباب الأنصار، يُذكر اسمه كثيراً، ولكن لماذا لا يعرف عدد قليل من الناس الوجه الحقيقي لهذا الإمام العظيم بشكل صحيح؟
معاذ بن جبل -رضي الله عنه- كان ثمرة مباركة للدعوة إلى الله، أسلم على يد مصعب بن عمير؛ مصعب الذي أرسله النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- ليدعو أهل يثرب إلى التوحيد الخالص والدين الإسلامي.
قبِل هذا الشاب الأنصاري الدين المبارك في سن الثامنة عشرة، ومنذ تلك اللحظة، بدأ يكتب سيرته بالعمل؛ سيرة لا تزال رائحتها الطيبة تفوح في جميع أنحاء العالم حتى يومنا هذا، ونحن نشم جزءاً منها؛ سيرة كُتبت ليس بالقلم، بل بالعمل.
في السنة الثالثة للهجرة، وفي موسم الحج، ذهب أكثر من سبعين مسلماً لأداء الحج إلى مكة المكرمة، وكان معاذ بن جبل من بينهم. قال هؤلاء المسلمون لبعضهم البعض: إلى متى نترك النبي -صلى الله عليه وسلم- هكذا بينما نطوف نحن في مكة المكرمة ونتجول في الجبال ونعيش في خوف؟ عندما وصلوا إلى مكة المكرمة، التقوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وأتموا بيعة العقبة (العقبة الثانية).
وضع معاذ بن جبل يده في يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبايع، وهكذا خط صفحة ذهبية على جبين التاريخ. لم يكن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قد عاد بعد إلى المدينة المنورة حتى أدرك أن هذا الخير الذي ناله هو فقط ببركة الدعوة إلى الله تعالى؛ فرفع رأية الإسلام بلا خوف ودعا كل من حوله إلى جنات الله، وقام معاذ بن جبل ومعه شاب آخر من الأنصار بعمل عظيم آخر، وهو إسلام أحد سادة قومهم، وهو عمرو بن الجموح -رضي الله عنه-.
عندما وصل معاذ بن جبل وأصحابه إلى المدينة المنورة، أعلنوا الإسلام علناً بين قومهم، وكان من بين سادة قومهم من بقي لديهم بقايا من الشرك، ومنهم عمرو بن الجموح الذي كان يحتفظ في منزله بتمثال كبير وقديم يُسمى «مَنَاة»، لكن ابنه، معاذ بن عمرو، كان حاضراً مع معاذ بن جبل في بيعة العقبة، وقد بايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
كان عمرو بن الجموح من سادة قبيلة بني سلمة ومن أشراف قومه. كان يحتفظ في بيته بتمثال قديم يسميه «مَنَاة»، كان الاحتفاظ بالصنم عرفاً سائداً بين الأشراف؛ كانوا يعبدونه ويولونه احتراماً وتبجيلاً كبيراً.
عندما أسلم الشابان من قبيلة بني سلمة، وهما معاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو بن الجموح، وشهدا بيعة العقبة، استغلا ظلمة الليل وسرقا صنم عمرو بن الجموح الكبير (مَنَاة) من منزله، وألقياه في بئر كانوا يرمون فيه القمامة والنجاسات. سقط الصنم في البئر بحيث كان رأسه للأسفل وقدماه نحو السماء.
عندما جاء الصباح، قال عمرو بن الجموح: «هلَكْتُمْ! من فعل هذا بمعبودنا؟» ثم بدأ بالبحث حتى رأى صنمه ساقطاً في البئر وقدماه مرفوعتان. فأخرجه فوراً، ونظفه، وغسله بالماء، وطيبه، وأقسم أنه سيعاقب بشدة كل من يفعل هذا الفعل إذا عثر عليه.
مر اليوم، وعندما ذهب عمرو إلى النوم ليلاً، عاد الشابان مرة أخرى وفَعَلا ما فعلاه في اليوم السابق.
في الصباح، واجه عمرو نفس المشهد مرة أخرى. تكرر هذا الأمر لعدة أيام حتى تعب عمرو بن الجموح؛ فأخرج الصنم من البئر، ونظفه، وطيبه، وعلق سيفه حول عنقه وقال: «لا أعلم من يفعل بك هذا، ولكن إن كان فيك خير، فدافع عن نفسك؛ هذا السيف معك».
ليلاً، عندما ذهب عمرو للنوم، ذهبا مرة أخرى إلى الصنم؛ أولاً أزالا السيف منه، ثم ربطاه بحبل بكلب ميت، وألقيا كليهما معاً في بئر تابع لقبيلة بني سلمة.
عندما أتى عمرو بن الجموح -رضي الله عنه- في الصباح، لم يجد صنمه في مكانه؛ فبحث عنه مسرعاً حتى وجده أخيراً في بئر مربوط بكلب ميت. عندما رأى هذا المنظر، فكر في نفسه: ما الفائدة من شيء لا يستطيع الدفاع عن نفسه؟ فبادر فوراً بالتحدث مع المسلمين الجدد من قومه وأسلم. كانت هذه نتيجة جهود معاذ بن جبل وصاحبه الشاب، حيث نجحا في إسلام أحد سادة الصحابة. هذه القصة تعلمنا أن الدين يمكن أن يتقدم بيد الشباب والفتيان بنفس القدر الذي يتقدم به بجهود الكبار. كتب معاذ بن جبل -رضي الله عنه- السطر الأول من حياته المباركة بالدعوة إلى الله تعالى، ونحن أيضاً نسعى لتنظيم حياتنا على غرار حياته.
في هذه السلسلة، سنقرأ حياته بالترتيب نفسه حتى النهاية، إن شاء الله.