الكاتب: عبدالحي لیان

النموذج التربوي الإلهي في أسَر الأنبياء عليهم السلام

(الجزء الأول)

 

المقدمة
إن الأسرة باعتبارها المؤسسة الاجتماعية الأساسية تلعب دورًا محوريًا في تشكيل المجتمعات البشرية واستقرارها وتعاليها، ولن يتكون مجتمع بصورة مستقلة ومنعزلة، بل يتكون من ارتباط أسر تشترك في القيم والمعايير والمعتقدات، فمستوى ازدهار وتقدم كل مجتمع يُظهر مدى استحكام الأسرة وسلامتها وكفاءتها، وكلما كان أساس الأسرة مبتنيًا على الأصول الصحيحة والقيم الأصيلة والثقافة القوية كان البناء الاجتماعي أكثر تماسكًا وحيويةً وسلامةً.
يؤدّي مركز الأسرة، على الصعيدين الفردي والاجتماعي، دورًا أساسيًّا في تكوين شخصيّة الإنسان وهويّته وسلوكياته، وإنّ سلامة هذا الكيان أو تضرّره تؤثّر مباشرةً في النظام الاجتماعي، وقد وردت هذه الحقيقة في القرآن الكريم في بيان تمثيلي على النحو التالي: «وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَالِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ». [الأعراف:٥٨]
وبناءً على هذا التمثيل القرآني، إذا اعتبرنا الأسرة العمود الفقري للمجتمع، فإنّ الزواج سيكون هو العمود الفقري للأسرة، لأنّ بتحقّق الزواج يتكوّن هيكل الأسرة، وتوفَّر بذلك البيئة المناسبة للنموّ الروحي والعاطفي والاجتماعي للبشر، وتُربَّى الأجيال القادمة، من الذكور والإناث، في أحضان هذا الكيان، وتؤدّي لاحقًا واجباتها الفردية والاجتماعية في إطار المجتمع.
وتتشكّل في ظلّ الأسرة، شبكة من الروابط القرابية والعاطفية والاجتماعية التي تساعد في تعزيز التماسك والتضامن الاجتماعي، وفي مثل هذا المجتمع، تعمل مكوّناته المختلفة بشكل منسجم لتحقيق المصالح الاجتماعية والقيم المشتركة، ومن ثم، فإنّ الأهمّية الأساسية للزواج في تأسيس الأسرة ودوره في استقرار المجتمعات الإنسانية أمرٌ بديهيّ لا يمكن إنكاره، ولذلك تناول الكتاب الإلهي في آيات عديدة الأبعاد المختلفة لهذا الكيان.
وأما من منظور الثقافة الدينية، فإنّ الأسرة ليست مجرّد وسيلة للتكاثر، بل هي أيضاً موضع للروابط الإنسانية والاجتماعية العميقة كالمحبّة، والالتزام، والتربية، وتحمل المسؤولية، وفي هذا السياق، تُعتبر التقوى أصلاً محورياً في العلاقات الأسرية والاجتماعية، وهي الضامن لصحة واستقرار وتقدم المجتمع. وقد قال الله تعالى في هذا الشأن:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا». [النساء:۱]
واستنادًا إلى الآية ٣٥ من سورة البقرة، فإنّ نشأة كيان الأسرة تتوافق مع الفطرة والحاجة الذاتية للإنسان، فحتى أول إنسان، وهو آدم عليه السلام، لم يُترك وحده، بل شرع له الزواج منذ بداية الخلق، ليُتحقّق السكون والأُنس والنمو في إطار الأسرة: «وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ». [البقرة:٣٥ ]
ولما أن أنبياء الله عاشوا بين الناس وكانوا من جنس البشر، فإنّ الزواج وتكوين الأسرة كانا جزءًا طبيعيًا من حياتهم، وقد قدّموا في ميادين الحياة المختلفة، كالحياة الزوجية، والأبوّة، وتربية الأبناء، نماذج عملية يُقتدى بها، وقد صرّح القرآن الكريم بذلك بقوله: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً». [الرعد:٣٥]
تُؤكِّد هذه الآية على الحقيقة بأنّ الأنبياء، بالإضافة إلى مهمّة الرسالة، يُعتَبرون قدوةً في الحياة الأسرية أيضّا، فبعض أسرهم كانت نماذج في الصلاح والتقوى والتربية الإلهية، وبعضهم الآخر واجه تحدّيات كوجود ولد عاق أو زوجة غير منسجمة، وقد عرض القرآن هذه النماذج بنظرة تربوية وهادية، لأنّ الأسرة هي المحور الأساس للحضارة الإنسانية وتربية الأجيال القادمة.
ثم ذِكرُ أُسَرِ الأنبياءِ في القرآنِ ليس مجرَّدَ تقريرٍ تاريخي، بل هو بيانٌ لنماذجَ سلوكيّة وسُننٍ إلهيّة وتعاليمَ أخلاقيّة في قالبِ أمثلة واقعيّة. ومن خلالِ هذه الآياتِ يمكنُ استنباطُ أُصولِ تربيةِ الأبناءِ، ودورِ الوالدينِ في نقلِ القِيَمِ الدينيّة، ومكانةِ الدعاءِ والمحبّةِ والتربيةِ المستمرّةِ ضمنَ إطارِ الأسرةِ.
وفي بعضِ المواضع، يُشيرُ القرآنُ إلى الخلافاتِ داخلَ أُسرِ بعضِ الأنبياءِ عليهم‌السلام، كخلافِ نبيِّ الله نوحٍ عليه ‌السلام مع ابنِه في العقيدة، أو عدمِ انسجامِ زوجةِ لوطٍ عليه ‌السلام معه، وتُقدِّمُ هذهِ النماذجُ تعليماً مهمّاً وهو أن الرابطةُ الإيمانيّةُ أرقى من الرابطةِ الدمويّة، وأنَّ المعيارَ الوحيدَ للقيمةِ عند اللهِ تعالى هو الإيمانُ والعملُ الصالح. يقولُ اللهُ المنّانُ: »قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ». [هود46]
وكذلك على رأي القرآن، فإنّ الأنبياء علیهم ‌السلام لم يكونوا مجرّد مبلّغين للوحي، بل كانوا أيضاً قدوةً عمليّةً في الحياة الأسريّة، فقد أدّوا دور الزوج، والأب، والمربّي بمسؤوليّة ومحبّة وهداية، فكانوا مثالاً يُحتذى به للناس، ومن ثمّ، فإنّ أُسر الأنبياء علیهم ‌السلام تُعدّ نماذج حيّة وتعليميّة للمجتمعات البشريّة؛ نماذج تُقدِّم الدروس والهداية في مختلف الأحوال، من النجاح والاستقرار إلى مواجهة الأزمات.
 وفي هذا السياق، يقدّم القرآن الكريم نماذج واضحة من التفاعلات الأسرية وتأثيرها على مصير الإنسان، منها قصة أب يستمع بحكمة إلى نصيحة ابنته، فبفضل عمله بها ينال الخير والبركة، وقصة أب يجلس ابنه إلى جانبه في موقع القضاء والحكم، فيرتقي الابن تحت التربية الصّحيحة إلى مرتبة قوة عظيمة، ويتسلّم ملكاً لا مثيل له ولم يُعط لأحد بعده.
ومن بين التعاليم القرآنية الأخرى، التأكيد على الإحسان إلى الوالدين، وخاصة احترام الأم، وهو أمر يُعتبر من منابع السعادة الفردية والاجتماعية ويحظى بمكانة خاصة في آيات الله، فالقرآن، بنظرة شاملة للظروف الإنسانية المتنوعة، وفي ظل مبدأ الخلافة الإلهية، أسّس نظاماً متيناً من المبادئ والأساليب ومصادر الهداية لكي يستفيد الإنسان منها في مسيرة حياته ويبلغ الحكمة والعلم والبصيرة والمعرفة.
لقد فهم أصحاب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هذه المعارف جيدًا، وقدموا بنشرها وبيانها نموذجاً من العبادة والهداية نال رضا الله تعالى، وسيظل موضع مدح المؤمنين إلى يوم القيامة. واليوم، نحن أمة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، أكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى نظرة تأملية تربوية وعبرة في التعاليم الإلهية، نستمد منها الإلهام، ونسلك سبيل الصالحين، ونتبع آثار الصالحين، ونتجنب طريق أولئك الذين ضاعت جهودهم في الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وهذا الطريق يهدينا إلى رضا الله ورضا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
يتبع…

الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version