الكاتب: عبدالحي لیان

 النموذج التربوي الإلهي في أسر الأنبياء عليهم السلام

(الجزء الثالث)

 

بدايةُ امتحانِ الإنسان 
إنّ اللهَ تعالى أذِنَ لآدمَ عليهِ السلام وزوجِهِ أن يسكُنا الجنة ويتمتّعا بنعمِها وأشجارِها كيفَ شاءا، ولكنّه نهاهما عن الاقترابِ من شجرةٍ واحدةٍ فقط، في حين أنّ سائرَ الأشجار كانت مباحةً لهما.
وقد ورد هذا النهي في قوله تعالى: «وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ».[1]
ولكن، لماذا نهى اللهُ تعالى آدمَ وحواءَ عن هذه الشجرةِ؟
كان الهدفُ من هذا النهي اختبار طاعتهما، وابتلاءً لهما، وتدريبًا على ضبطِ النفسِ والامتناعِ عن المحظوراتِ، وتعليمًا على مفهومِ الامتثالِ لأوامرِ اللهِ عزّ وجلّ.
كان هذا الأمرُ مثالاً أوّليًا ومركّزاً للتكليفِ الشرعي، الذي هو جوهرُ مهمةِ الإنسانِ في الحياةِ، إذ إنّ جميعَ التكاليفِ الشرعيةِ تدورُ بين أمرٍ بالامتثال ونهيٍ عن الاجتناب.
وهكذا، كانت هذه الواقعةُ رمزاً لبدايةِ المسؤوليةِ الأخلاقيةِ والدينيةِ للإنسان، حيثُ ينبغي له أن يختارَ بين رغباتِه وبين أمرِ اللهِ، وهذا هو جوهرُ الامتحانِ الإلهي في حياةِ البشرِ.
وسوسةُ إبليس 
ولمّا رأى الشيطان اللعين (إبليس) أنّ اللهَ تعالى أسكن آدمَ عليهِ السلام وزوجتَه حواءَ في الجنة، حسدهما وسعى إلى خداعِهما ومكرهِما، ليُخرجهُما من النعمةِ والمنزلةِ الحسنةِ التي كانا فيها.[2] فبدأ يُوسوسُ لهما، ويحثّهما على الأكلِ من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ تعالى عنها، وقد استخدمَ في ذلك وسائلَ وأساليبَ متعدّدةً.
فأوّل هذه الوسائل كانت الوسيلة النفسية؛ حيث دخل إليهما من باب الميل إلى الخلودِ والبقاءِ في الجنةِ التي سكناها، لأنّه كان يعلمُ أنّ الإنسان مفطورٌ على حبّ الحياةِ والخلود. فقال لهما: «ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرةِ إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين». فوسوسَ لهما بوعدِ الخلودِ، وأزال من قلبيهما الخوف من الفناء. ولا شكّ أنّ التأثيرَ النفسيّ له دورٌ عظيمٌ في سلوكِ الإنسان، وقد يُغيّر مسارَه بطريقةٍ لا يُستهانُ بها.
الطريقة الثانية: كانت الحَلِف الكاذب باسم الله تعالى، حيث قال لهما: «إني لكما لمن الناصحين»، فوسوس لهما الشيطان بهذه الكلمات حتى خدعهما، فأكلا من الشجرة المحرّمة، فنسيا أمر الله تعالى، وتسبّبا في خروجهما من الجنة. وقد قال الله تعالى في هذا الشأن: «فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ. وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ. فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ».[3]
(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا)[4]
في الحقيقة، كان عهدُ اللهِ تعالى إلى آدمَ عليه السلام أن يأكلَ من جميعِ ثمارِ الجنةِ إلا ثمرة شجرةٍ واحدةٍ.
سرّ نسيان الإنسان الأول
مع أنّ آدمَ عليه السلام وزوجتَه حواءَ نُهيا صراحةً عن الأكل من شجرةٍ معيّنةٍ، إلا أنّهما أكلا منها، وقد ذكرت المصادرُ التفسيريةُ والكلاميةُ عدّةَ أسبابٍ لذلك، نذكرُها هنا بصورةٍ موثّقةٍ وتحليليةٍ:
أولاً: نسيانُ العهد الإلهي
الأول هو نسيان الأمر الإلهي، حيث يقول الله تعالى في سورة طه، الآية ١١٥:  (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا). [5] أي: عهدنا إليه أن لا يأكل من الشجرة، لكنه نسيَ ذلك العهد، ولم نجد فيه في ذلك الوقتِ عزماً قويّاً ولا إرادةً ثابتةً.
وقد ذكر الإمامُ الفخر الرازي في تفسيره قولين في معنى الآية:
أ. النسيان بمعناه الحقيقي، وهو زوالُ الذكر وعدمُ القدرةِ على التذكّر، ومع هذا، فإنّ آدم عليه السلام لمّا قصّر في حفظِ أمر اللهِ ومراقبته، استحقّ اللوم، لأنّ تقصيره هذا أدّى إلى النسيان.
ب. النسيان بمعنى الترك عمداً، أي أنّه مع علمِه بالنهي الإلهي، تركَ الأمر وتناول من الشجرة. وقوله تعالى: (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [6]يعني أنّه لم يُظهر عزيمةً كافيةً في تركِ الغفلةِ وحفظِ أمرِ اللهِ تعالى.[7]
النية الحسنة في القيام بالعمل 
يُعدّ ابن حزم من المفسرين الذين أكّدوا على نيّة الخير لدى آدم عليه السلام، حيث يرى أنّ آدم عليه السلام ظنّ أنّه بأكله من الشجرة المحرّمة سيصل إلى درجة أعلى من الكمال، كالقرب من مقام الملائكة أو نيل الخلود، وهذه النية، وإن بدت في ظاهرها حسنة، إلا أنّها كانت مخالفةً لأمر الله الصريح، ولهذا السبب خرج بها عن طريق الطاعة. ويُظهر هذا التفسير أنّ مجرّد نيّة الخير لا تبرّر مخالفة النص الإلهي الصريح، وأنّ التأويل الشخصي لا يمكن أن يكون بديلاً عن أمر الله الواضح.[8]
وسوسة الشيطان بالتظاهر للنصيحة 
وبحسب رأي عدد من المفسرين المتأخّرين، فإنّ السبب الثالث لأكل آدم عليه السلام من الشجرة الممنوعة هو وسوسة الشيطان له مع إظهار النصيحة والمحبّة، فقد استخدم الشيطان وسائل خداع متعدّدة، ومنها «القسم بالله»، لكسب ثقة آدم عليه السلام، إذ لم يكن آدم يتصوّر أن أحداً يمكن أن يقسم بالله كذباً، فصدّق قول الشيطان، وظنّ أنّه إن أكل من الشجرة، فلن يُطرد من الجنة، بل سيبلغ الخلود، وأنّ مفسدة الأكل محدودة، بينما مزيّة الخلود أعظم. وربّما تصوّر أنّ بإمكانه التوبة لاحقًا أو إصلاح ما وقع فيه من فساد، كما أنّ هذا النوع من التأويل كثيراً ما يراود كلّ من يقترب من ارتكاب المعصية.[9]
استغلالُ الشيطان لِميولات الإنسان الفِطرية 
استغلّ الشيطان اللعين ميولاتِ آدم عليه السلام الفِطرية، كحبّ الوصول إلى المراتب العالية، والرغبة في الخلود في نعيم الجنّة، فالإنسانُ، بما فيه من ضعف بشري وفطرة محدودة، يشتاق دائماً إلى الحياة الطويلة والكمال المطلق. ومن هذا الباب، دخل الشيطانُ فوسوسَ لآدم عليه السلام، فبسبب طبيعته البشريّة، وبموجب حكمة الله، نسيَ العهد الذي قطعه على نفسه، وأكل مع زوجه من الشجرة المحرّمة، وقد صوّر الله تعالى هذه القصة بقوله: «وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ».[10]  أي: وقال لهما الشيطان: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا لأنكما إن أكلتما منها تصيران ملكين، أو تصيران من الخالدين.  فكان هذا سبباً في نسيان آدم عليه السلام لوصية ربّه، وتركه للعهد، فأكل هو وزوجه من الشجرة التي نهاهما الله عنها. [11]
يتبع…

الجزء السابق| الجزء التالي

[1]. البقرة/ ٣٥.
[2]. عماد الدین ابي الفداء إسماعیل، ابن کثیر، تفسیر القرآن العظیم، بیروت: دار صادر، الطبعة الأولى، ۱۳۸۹ق، ج۲، ص ٢٠٥.
[3]. الأعراف/۲۰-۲۱-۲۲.
[4]. طه/١١٥.
[5]. طه/١١٥.
[6]. طه/١١٥.
[7]. محمد بن عمر بن حسین، الفخر الرازی، مفاتیح الغیب «التفسیر الکبیر»، بیروت: دار إحیاء التراث العربی، بی‌تا، ج۲۲، ص ١٢٤.
[8]. محمد جمال الدین بن محمد، القاسمي، محاسن التأویل، بیروت: دار الکتب العلمیة، الطبعة الأولى، ١٤١٨ ق، ج۲، ص۱۰۸.
[9]. همان، محاسن التأویل، ج۲، ص۱۰۸-۱۰۹.
[10]. الأعراف/۲۰.
[11]. عبدالکریم، زیدان، المستفاد من قصص القرآن للدعوة و الدعاة، بیروت: مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢١ ق، ج۱، ص۲۱.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version