القومية أو النَّشْنَلِيزم كأيديولوجيا وتيار سياسي، لها تاريخ معقّد، وقد تعددت آراء الباحثين والكُتّاب حول ظهورها ونشأتها. تطورت هذه الظاهرة خلال القرون الماضية، خاصة في العالم الغربي. ومن المهم الإشارة إلى أن القومية مرت بمرحلتين متميزتين: المرحلة القديمة والمرحلة الحديثة والمعاصرة. في هذا الجزء من المقال، نحاول عرض هاتين المرحلتين على القارئ، مع دراسة مسار وتطور القوميّة خلالهما.
القومية في المراحل القديمة
القومية الحديثة تُعدّ من نتاج العصور الحديثة؛ أما في العصور السابقة فلم يكن للوطنية المعنى الذي نفهمه اليوم. فلم يكن الناس في تلك العصور يفكرون بهذه الطريقة، وإن وُجدت بعض مظاهر القومية، فكانت مختلفة تمامًا عن القومية الحديثة، ومع ذلك، يمكننا تتبع جذور أولية للوطنية في أفكار اليونان القديمة.
في اليونان القديمة، كان كل من سقراط، وأفلاطون وأرسطو يؤمنون بمفهوم «الهوية اليونانية»، ولكن ليس بالمعنى الذي نراه في وطنية القرن التاسع عشر، ولا بنفس الحماس والحرارة. كانت هذه القومية محدودة في إطار مدينة أثينا، وتجلّت في دعوة سكان أثينا إلى التعاون والدفاع المشترك ضد الغزاة، دون أن يكون الهدف الهجوم أو التوسع، وإذا تتبعنا النظام القبلي ونظام المدن-الدول في اليونان عبر التاريخ، يمكن أن نلاحظ بعض خصائص القومية فيها.
رغم أن حب الأرض والموطن قديم قِدَمَ الإنسان نفسه، إلا أن القومية كظاهرة سياسية ومنظمة بدأت بالتشكل بعد عصر النهضة في أوروبا، خاصة في المجالين السياسي والاجتماعي. في القرن السادس عشر، عمل كل من نيكولو ميكيافيلي الإيطالي وجان بودن الفرنسي على تعزيز هذه الأفكار، وفي القرن الثامن عشر بدأت بالنمو، وبلغت ذروتها في القرن التاسع عشر.
القومية بصفتها مدرسة فكرية وأيديولوجية متكاملة، نشأت في الغرب، ويمكن تتبع جذورها إلى أواخر العصور الوسطى، تزامنًا مع عصر النهضة. خلال العصور الوسطى التي استمرت نحو ألف عام، كانت الكنيسة ورجال الدين يتحكمون في الحياة العامة، لكن بنهاية هذا العصر، بدأت سلطة الكنيسة بالانهيار، واضطر رجال الدين إلى التراجع عن دورهم في إدارة شؤون المجتمع.
ورغم أن القومية بمعناها الحديث لم تتبلور إلا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إلا أن آثارها وبذورها كانت موجودة منذ قرون سابقة، حيث سعت الشعوب للعودة إلى لغاتها وثقافاتها وأعراقها.
القومية في العصر الحديث
القومية الحديثة تُعد من نتائج الثورة الفرنسية الكبرى. فقد أطلقت هذه الثورة شرارة القومية في العالم، وأدت إلى بروز العديد من الحركات القومية في مناطق مختلفة، وتُعد ألمانيا من أوائل الدول التي شهدت بوادر القومية الحديثة بين عامي 1805–1815م، عندما كانت تحت استعمار نابليون.
كما شهد عام ۱۸۴۸م انتفاضات من قبل المجريين، الصرب والتشيك ضد الإمبراطورية النمساوية. وفي إيطاليا، وقعت معارك ميلانو خلال الفترة ۱۸۶۰–۱۸۷۰م بقيادة جوزيبي مازيني وغاريبالدي لتوحيد البلاد، وقد أدت هذه الأحداث إلى تصاعد الحماس القومي في أوروبا.
ترافق نمو القومية مع مرحلة تاريخية أصبحت فيها «الأمة» وحدة سياسية مستقلة، وبدأ مبدأ السيادة القومية يأخذ شكله المعروف. امتدت هذه المرحلة في أوروبا من القرن السابع عشر حتى نهاية القرن التاسع عشر، بينما استمرت في آسيا وأفريقيا حتى منتصف القرن العشرين.
القومية التي تنادي بتفوّق العِرق والأمة وسيادتها على غيرها، ظهرت بشكل واضح في القرن العشرين في أوروبا الغربية، وتجسدت في صعود هتلر في ألمانيا وموسوليني في إيطاليا، وقد أُسست الأنظمة الديكتاتورية في هذين البلدين على مبادئ نازية وفاشية متطرفة، حيث كانت العنصرية والتوسّع العدائي من القيم الأساسية فيها.
ويذكر كتاب دائرة معارف القومية حول الثورة الفرنسية، والتي تُعدّ مهد القومية الحديثة وانتشارها في باقي الدول:
«رغم أن فرنسا كانت قد جمعت منذ قرون شعوبًا ومجتمعات مختلفة ضمن كيان وطني موحد، إلا أن الإطاحة العنيفة بسلالة البوربون أدّت إلى ظهور وطنية عدوانية، امتدت إلى جميع أنحاء أوروبا، بل وأصبحت تهديدًا حتى للولايات المتحدة الفتية».
القرنان التاسع عشر والعشرون يُعتبران العصر الذهبي لتوسع القومية في الغرب، وقد انتقلت هذه الظاهرة بسرعة إلى الدول الإسلامية، وألحقت بها أضرارًا بالغة ومؤلمة. وسنواصل مناقشة هذه التأثيرات في الأجزاء القادمة من هذا المقال.