الكاتب: أبو رائف

الاستعمار

(الجزء الثالث عشر)

عجز المجاهدين عن السيطرة على الأوضاع بعد هزيمة الاتحاد السوفياتي
بعد انتهاء الاحتلال السوفياتي السابق لأفغانستان وانتصار الشعب الأفغاني المجاهد على الجيش الأحمر، فشل مجاهدو أفغانستان في تشكيل حكومة تمثل جميع الأعراق والأفكار والمذاهب والأيديولوجيات لهذا الشعب، ولسنوات عديدة، عانى هذا الشعب من الفوضى والصراعات الداخلية.
كل واحد من القادة والشخصيات البارزة التي كانت نشطة ومجتهدة في إنهاء الاحتلال السوفياتي السابق، بعد هزيمتهم وهروبهم، طالبوا لأنفسهم ولأحزابهم بالعديد من الامتيازات والمناصب، وسعوا لتفضيل أنفسهم، وأعراقهم، وأحزابهم على الآخرين، ولم يتمكنوا من الاجتماع معاً وتشكيل حكومة شاملة وجامعة لرسم مستقبل مشرق وواعد للشعب الأفغاني المعذب.
أسباب عجز المجاهدين عن تشكيل الحكومة
لم يتمكن المجاهدون، الذين لعبوا دوراً بارزاً في إنهاء الاحتلال في أفغانستان ولعبوا دور القيادة الروحية والجهادية والفكرية والعلمية للشعب الأفغاني المجاهد، من النجاح في تشكيل الحكومة، وبددوا آمال الشعب الأفغاني المجاهد.
يمكن تحليل الأسباب الرئيسية لهذا الحدث في النقاط التالية:
  • مطامع قادة المجاهدين:
سعى قادة المجاهدين، كلٌّ منهم، وراء المناصب والمقامات العليا، وكان كلٌّ منهم يتوقع حصة كبيرة وكمية ضخمة من الحكم والسلطة مقابل الجهاد والمعارك التي خاضوها. هذا الأمر جعل أياً من القادة الجهاديين غير راضٍ عن الامتيازات والمناصب التي مُنحت لهم، وكانوا يسعون لاكتساب مكانة أكبر لأنفسهم.
لهذا السبب، فشلت الاجتماعات واللقاءات التي لا حصر لها والتي عُقدت داخل البلاد وخارجها، بهدف المصالحة بين المجاهدين وجمعهم حول هدف ونظام واحد.
  • التركيز المفرط على القضايا العرقية والقومية واللغوية:
كما ذُكر سابقاً، كانت الأحزاب الجهادية تتألف من أعراق ومذاهب مختلفة، وفي الواقع، كان الشعب الأفغاني بأسره، بانتماءاته العرقية واللغوية المتنوعة، قد نهض ضد الاتحاد السوفياتي السابق، وهذا كان أحد أكبر أسباب نجاح الحركات الجهادية، ولكن على صعيد آخر، وبعد انتصار المجاهدين وهزيمة الحكومات العميلة لهم، أصبح هذا الأمر سبباً لبروز الخلافات وعدم النجاح في إنشاء حكومة شاملة.
كل قائد شارك في الجهاد كان ينتمي إلى أحد القومیات الأفغانية، وكان يسعى للحصول على حصة أكبر لعشيرته في التوجهات السياسية وتنظيم الحكومة.
  • نسيان الأهداف الجهادية:
كان الهدف المهم الذي قام الشعب الأفغاني من أجله ضد حكومة الاتحاد السوفياتي المعتدية هو إنقاذ أرض أفغانستان المقدسة من الاحتلال وإذلال المحتلين، ولكن للأسف، بعد انتصار المجاهدين وتحقيق الحرية والاستقلال الوطني والديني، نسوا أهدافهم السامية وما كانوا يسعون إليه من قيم روحية، وانغمسوا في الصراعات السياسية والمعارك الداخلية بين الأحزاب، وربما الدموية، مما ابتلى الشعب الأفغاني مرة أخرى بالقتل.
  • التدخل الأجنبي:
لا ينبغي إغفال هذا الأمر أيضاً، وهو أن الدول الأجنبية والإقليمية كانت تتابع أهدافاً وخططاً خاصة بها في أفغانستان، وربما كان الدعم الذي قدموه للمجاهدين خلال فترة الجهاد يهدف إلى تحقيق تلك الأهداف، وقد أدى هذا التدخل ودعم بعض الأحزاب وتهميش أحزاب أخرى إلى إحداث فوضى داخلية وعدم استقرار.
الدول التي دعمت المجاهدين نظرياً أو عملياً خلال فترة الجهاد، كان لها دور وتأثير في توجيههم وإرشادهم، ولم تكن ترغب في فقدان الأفراد الذين تحت إشرافها ودعمها.
تشكيل حركة طالبان الإسلامية
أدت هذه الخلافات والمعارك التي نتجت عنها، والفراغ الواضح في تشكيل حكومة إسلامية ووطنية مركزية، إلى تشكيل حركة إسلامية بقيادة «الملا محمد عمر المجاهد»، والتي عُرفت لاحقاً باسم «حركة طالبان الإسلامية» و«إمارة أفغانستان الإسلامية».
تمكنت هذه الحركة الجهادية، في فترة قصيرة، من السيطرة على أفغانستان وتطبيق النظام والأوامر الإسلامية في البلاد. ساد الأمن العام، وتم تطبيق الحدود الشرعية، وانتهت المعارك الداخلية والصراعات الدموية بين الأحزاب وآثارها المدمرة.
أهداف تأسيس إمارة أفغانستان الإسلامية
كان لقادة إمارة أفغانستان الإسلامية أهداف وتطلعات مهمة من تشكيلها وتأسيسها، ومن أهمها يمكن الإشارة إلى ما يلي:
۱.      إنشاء حكومة إسلامية خالصة وتطبيق كامل لأحكام الشريعة.
۲.      القضاء على الحروب الداخلية والفساد وانعدام الأمن.
۳.      إزالة خطر تقسيم البلاد.
۴.     الحفاظ على نتائج وثمار أربعة عشر عاماً من الجهاد ضد الشيوعية وتحقيق آمال الشهداء.
۵.      توفیر استقلال البلاد وكرامتها، وسيادة مركزية، ووحدة وطنية، وسلامة أراضيها.
۶.      قطع يد المتدخلين الأجانب وعملائهم من البلاد.
۷.      انتزاع السلطة من المسلحين الفاسدين والجواسيس الأجانب وتسليمها إلى فئة صالحة من المجتمع.
۸.      صياغة دستور للبلاد في ضوء مبادئ الشريعة الإسلامية وإصلاح سائر المبادئ واللوائح.
۹.      إنشاء جيش إسلامي مجهز وفعال للدفاع عن حريم وحدة أراضي البلاد.
۱۰.  استقلال قضائي، وتعليمي، وعلاقات خارجية، وإعمار وتنمية، واستئصال الجرائم والمفاسد الأخلاقية من جميع أنحاء البلاد.
اعتداء الولايات المتحدة على أفغانستان
بالطبع، لم يتم الاعتراف بالنظام الإسلامي الأفغاني من قبل دول العالم، على الرغم من كل هذه الأهداف السامية، وأدى هذا الأمر إلى قطع العلاقات العالمية مع أفغانستان، وبالتالي إلى انتشار الفقر، وانهيار قيمة العملة الوطنية، وتضرر عملية الإنتاج والاقتصاد.
فضلاً عن هذه القضايا، فإن مسألة اتهام الارتباط بتنظيم القاعدة، الذي اعتبرته الولايات المتحدة والمجتمع الدولي «إرهابياً» ومسألة لجوء زعيم هذا التنظيم إلی أفغانستان، قد زادت من حساسية المجتمع العالمي تجاه الحكومة الإسلامية الأفغانية.
أحداث الحادي عشر من سبتمبر والهجوم على  البرجین
إن تشكيل النظام الإسلامي في أفغانستان، وتطبيق الأوامر الإلهية في هذا البلد المسلم، والإقبال المتزايد الذي أبداه شعب هذا البلد تجاه التعاليم والمعتقدات الإسلامية، كان السبب الرئيسي، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر والهجوم على البرجي التوأمین التجاريين في نيويورك بأمريكا، ذريعة للتمهيد للهجوم على أرض أفغانستان واحتلالها من قبل هذا البلد وحلفائه.
هذا الهجوم، الذي بزعم الولايات المتحدة، تم بتنظيم وتوجيه من القاعدة، وكان زعيم هذا التنظيم لاجئاً في أفغانستان، أصبح سبباً رئيسياً للهجوم الشامل الذي شنته أمريكا وحلفاؤها على أفغانستان. بينما كان أسامة بن لادن، وهو مواطن سعودي ثري من أصل يمني، قد لجأ إلى أفغانستان قبل سنوات من تشكيل الإمارة الإسلامية وخلال جهاد المجاهدين ضد الاتحاد السوفياتي السابق، ولم يكن يُعتبر آنذاك من الإرهابيين، ثم غادر البلاد. ولكن بعد هزيمة الاتحاد السوفياتي، تغيرت نظرة أمريكا لهؤلاء المجاهدين، بدأوا بملاحقتهم واصفین إياهم بوسم الإرهاب.
في نهاية عهد «برهان الدين رباني»، وبدعوة من أحد قادة الجهاد وبموافقة حكومة رباني، لجأ إلى أفغانستان. في ذلك الوقت، لم يكن هذا الموضوع حساساً للغاية، ولكن بعد انتصار الإمارة الإسلامية، تم تقديمه من قبل أمريكا على أنه خطير للغاية ومعرقل للأمن وتعرض للملاحقة.
في البداية، وضعت الولايات المتحدة الأمريكية ضغوطاً سياسية على النظام الإسلامي الأفغاني، وطالبته بتسليم زعيم القاعدة. لم يتم قبول هذا الطلب أبداً من قبل إمارة أفغانستان الإسلامية، واعتبروا تسليم مسلم ومؤمن لجأ إلى بلد إسلامي مخالفاً للتعاليم الإسلامية والغيرة الأفغانية. بعد ذلك، بدأت مرحلة حشد الجيوش والهجوم الوحشي للولايات المتحدة الأمريكية على أفغانستان، وشهدت هذه الأرض المتعبة والمقدسة مرة أخرى اعتداءً آخر وعواقبه التي لا تطاق.
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالی

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version