الكاتب: أبو عائشة

القومية (الجزء الثالث)

 

فَهم القومية بشكلٍ أفضل
القومية، بصفتها شكلاً من أشكال الوعي الجمعي، تشير إلى إدراك الانتماء إلى أمة معينة أو الشعور بالتبعية لها، وهو ما يُعرف عادةً بـ«الوعي القومي». هذا الوعي يولد لدى الأفراد الولاء والحماس والانتماء لعناصر الأمة المختلفة، مثل: العرق، اللغة، العادات، التقاليد، القيم الاجتماعية، الأخلاقية، والثقافة بشكل عام، وفي بعض الأحيان، يُفضي هذا إلى تمجيدٍ مبالغٍ فيه لتلك العناصر، بل والإيمان بتفوّقها على مظاهر الأمم الأخرى.
وبما أن كل أمة تمتلك أرضاً خاصة بها، فإن الولاء للأرض والتضحية في سبيلها وتمجيدها من الركائز الأساسية للوطنية. كلمة «القومية» (Nationalism) تحمل دلالات مختلفة، وغالبًا ما تشير إلى حالة ذهنية أو إدراك نفسي لدى أعضاء جماعةٍ ما بأنهم ينتمون إلى أمة محددة، ويشعرون بالانتماء المشترك والهوية الثقافية الموحدة، كما يعبّرون عن تعاطف تجاه من يُعتبرون من نفس الأمة.
وقد يظهر هذا الشعور بشكل علني، كالتضامن الجماعي ضد الغرباء، أو عبر الرموز القومية والأناشيد الحماسية، والسعي لتحقيق المصالح القومية وتقديمها على باقي المصالح والقيم.
القومية هي الإيمان بتفوّق أمةٍ أو قومٍ على جميع الأمم والأعراق الأخرى، والدعوة إلى الولاء المطلق وغير المشروط للأمة أو العِرق، والافتخار بثقافة وقومية ولغة ونسب الجماعة الخاصة، وبالتالي، فإن الوطني ينظر إلى نفسه على أنه الأعلى، بينما ينظر إلى الآخرين على أنهم دونيّون وأقل شأنًا.
القومية هي حركة اجتماعية وسياسية تسعى لتحقيق العقائد والطموحات والمصالح القومية لدولة ما. وتقوم هذه الحركة بتوجيه السياسات الداخلية والخارجية انطلاقًا من مصلحة الأمة أولاً، وبعبارة أخرى، القومية هي فكرٌ يتبنى قيم وأهداف أمة معيّنة، ويسعى لترسيخها عبر التأثير في بُنى الدولة السياسية ومؤسساتها.
ويكتب يحيى محمد إلياس، مؤلف كتاب «الحرب الفكرية» عن القومية أو العنصرية قائلاً: «المقصود بالقومية أو العنصرية هو الافتخار بالعرق أو القوم، مع الاعتقاد بأن عرقي أو قومي هو الأفضل، وأنه وحده الجدير بالحكم والقيادة. من أبرز الأمثلة على العنصرية يمكن ذكر النازيين في ألمانيا الذين رفعوا شعار ألمانيا فوق الجميع، ومن أبرز زعماء هذا التيار كان هتلر، الذي سعى إلى تدمير العالم من أجل مصالح ألمانيا».
الهدف من القومية هو أن يركّز كل بلد على عِرقه وقوميته وأمّته، ويسعى لتحقيق مصالحه القومية، حتى وإن تسبب ذلك في الإضرار بالآخرين. في الفكر الوطني، يتم إعطاء القيمة والأولوية للقبيلة أو العرق أو الأمة الخاصة على حساب الآخرين. في هذا التصور، لا تُمنح أي قيمة للإنسان ككائن شمولي أو عالمي، بل تُعتبر الهوية والمصالح القومية فقط هي ذات القيمة. وفي هذا المنظور، العدو يستحق الفناء، ويُنظر إلى إبادته كعملٍ مشرّف يخدم الأمة.
على سبيل المثال، يُعتبر قتلة مئات الآلاف من النساء والأطفال والمسنين العراقيين خلال حرب الخليج «أبطالاً قوميين» ومدافعين عن مصالح وطنهم، ويتم تكريمهم بكل فخر واعتزاز، ولا يزال هذا المنطق قائمًا حتى اليوم، حيث يُستقبل الجنود العائدون من ساحات القتل في العراق وأفغانستان وغيرها من المناطق الإسلامية، بمراسم رسميّة ويُحتفى بهم كـ«شهداء» و«حماة المصالح القومية».
الاستنتاج: وجه القومية الحقيقي
رغم أن القومية تُقدَّم كظاهرة إيجابية وراقية، إلا أنها في الواقع كانت أداة بيد الغرب لتحقيق هدفين استراتيجيين رئيسيين:
تفريق المسلمين:
تمَّ تصميم القومية في الغرب بهدف فصل المسلمين عن بعضهم البعض وتمزيق علاقاتهم الإسلامية، وقد استُخدمت هذه الأداة لجعل كل مسلم يرى نفسه أعلى من غيره، مما أدى إلى نزاعات داخلية بين الشعوب الإسلامية.
التمهيد للاستعمار:
القومية كانت وسيلة فعالة للغزو والسيطرة على الدول الإسلامية. من خلال إقناع كل أمة بتفوّقها على غيرها، استطاع الغرب أن ينهب ثروات المسلمين ويبرر هيمنته عليهم تحت ستار «تحقيق المصلحة القومية» و«رسالة الحضارة الغربية».
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version