استكمالًا لما سبق من مباحث حول العلاقة بين اليهودية والماسونية، نستعرض شواهد وأدلة أخرى تكشف عن عمق هذه العلاقة من خلال تعاليمهما ومعتقداتهما.
ومن هذه الأمور اعتقاد الماسونيين بأن «أرض المحافل الماسونية مقدسة». فما سبب ذلك؟ يرجع ذلك إلى أدعية سابقة استجاب الله لها، وهي كما يأتي:
أ. امتثال إبراهيم عليه السلام لأمر الله، وعدم امتناعه عن ذبح ابنه إسحاق عليه السلام طاعةً لله، ثم فداه الله بذبح عظيم.
ب. دعاء الملك داود عليه السلام، الذي سكن به غضب الرب، وتوقفت بسببه كارثة كادت أن تُهلك اليهود.
ج. الشكر والذبائح والهدايا الثمينة التي قدّمها سليمان ملك إسرائيل عليه السلام عند الانتهاء من بناء هيكل أورشليم، وتخصيصه لخدمة الله وعبادته.
وقد جعلت هذه الأمور جميعًا أرض البنّائين الأحرار (الماسونيين) مقدسة، لتظل كذلك إلى الأبد.[1]
لكن التعمق في هذا الادعاء يثير أسئلة عديدة. فهل تظل أرض المحفل مقدسة حتى لو بُني المحفل فوق مكبّ للنفايات؟ وكيف حُكم ببقاء هذه القداسة إلى الأبد؟ أليس من الممكن أن تتحول هذه المحافل، مع مرور الزمن، إلى مراكز للفساد أو صالات لممارسة الفاحشة، أو إلى أماكن تُمارَس فيها عبادات أديان أخرى؟ فما المقصود بـ«الأبدية» هنا؟
الهيكل المقدس
ويظهر جانب آخر من هذه العلاقة في مسألة الهيكل؛ إذ يُعدّ حجر الزاوية في الفكرين الماسوني واليهودي، كما أشرنا إلى ذلك في المباحث الأولى من هذه الدراسة. ومع ذلك، توجد بين اليهود جماعة تُسمّى «الفريسيين»[2]، لا يرون الهيكل مقدسًا، ويجيزون الصلاة خارجه، سواء في البيوت أم في مجامعهم.
وقد ورد ذكر الفريسيين كثيرًا في الأناجيل، كما جاء ذكرهم في أقوال عيسى عليه السلام. وهم جماعة من اليهود كانوا يقدّمون الشريعة الشفوية (التلمود) على التوراة، وكانت بينهم وبين الصدوقيين، الذين كانوا كهنة هيكل سليمان، نزاعات شديدة.
كما كانوا في صراع مع يهود السامرة. ومن ذلك أن ملكهم «يهوآش» هاجم أورشليم واحتلها، وهدم سور المدينة، ثم توجّه إلى الهيكل واستولى على ما فيه من ذهب وفضة.[3]
وقد جاء في التوراة: «وجاء يهوآش ملك إسرائيل إلى أورشليم، وهدم سور أورشليم من باب أفرايم إلى باب الزاوية، على طول أربعمائة ذراع، وأخذ جميع الذهب والفضة وجميع الآنية الموجودة في بيت الله وخزائن قصر الملك، وأخذ رهائن أيضًا، ثم رجع إلى السامرة».[4]
ومن الأمور التي تثير الاستغراب أن التوراة تنسب إلى سليمان عليه السلام التعلّق بالنساء الأجنبيات، حتى بلغ عدد النساء اللاتي اجتمعن عنده ألف امرأة: ثلاثمائة زوجة وسبعمائة جارية.
ثم بنى لكل واحدة منهن معبدًا. وتذكر التوراة أسماءهن واحدةً تلو الأخرى، ثم تقول: «وفعلت جميع نسائه الأجنبيات هكذا؛ إذ كنّ يحرقن البخور ويقدّمن الذبائح لآلهتهن. فغضب الرب على سليمان؛ لأن قلبه مال عن يهوه إله إسرائيل. وكان الرب قد أوصاه ألّا يتبع آلهة أخرى، لكنه لم يحفظ وصية الرب. فقال الرب لسليمان: لأنك فعلت هذا، ولم تحفظ عهدي وفرائضي التي أوصيتك بها، فإني أمزّق المملكة عنك وأعطيها لعبدك».[5]
إن التأمل في هذه الأقوال الواردة في التوراة يثير الدهشة: أيمكن لعاقل أن يقبل مثل هذا الكلام؟ أيمكن أن يُنسب إلى نبيّ عليه السلام أنه افتُتن بالنساء، فجمع ألف امرأة وبنى لهن معابد ليقدّمن فيها الذبائح لآلهتهن؟ وهل يمكن تصوّر مثل هذا الأمر في حق نبي من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام؟ وإذا كان هذا القول صحيحًا، فلماذا لا يعدّ الماسونيون تلك المعابد مقدسة، مع أن سليمان عليه السلام كان يرتادها أيضًا؟ ألا يثير ذلك تساؤلًا عمّا إذا كان موقف الماسونيين من الهيكل مجرد امتداد للموقف الصهيوني الذي حوّل الهيكل إلى قضية سياسية؟ ولعل الصهاينة، إذا استطاعوا يومًا هدم المسجد الأقصى، قد يخلصون إلى أن الأفضل هو إنشاء بورصة للأموال والأوراق المالية مكانه!
وبالنظر إلى ما يورده النص عن القوم اليهود، فإن هذا الادعاء لن يبدو غريبًا. فالقوم الذين خرجوا مع موسى عليه السلام من مصر، وشاهدوا كل تلك الآيات والمعجزات، صنعوا عجلًا من ذهب وعبدوه عندما غاب عنهم موسى عليه السلام مدةً من الزمن، مع أن هارون عليه السلام كان بينهم. أفيصعب على قوم كهؤلاء أن ينشئوا يومًا بورصة حديثة مكان الهيكل؟[6]
والحال أن اليهود أنفسهم، وفقًا لما يطرحه النص، لا يرون في الهيكل ذاته قيمةً، وإنما كانوا يحترمونه لما فيه من ذهب وحليّ. ولهذا خاطب عيسى عليه السلام قومه قائلًا: «ويل لكم أيها القادة العميان! تقولون: من حلف بالهيكل فليس بشيء، ولكن من حلف بذهب الهيكل فهو ملتزم».[7]
ويُستدل بهذا القول المنسوب إلى عيسى عليه السلام على أن قيمة الهيكل عند اليهود ترتبط بما فيه من ذهب وحليّ. وتقول التوراة في موضع آخر، عند الحديث عن محتويات الهيكل وتفاصيله، وعن كيفية تطهير النبي يوشيا له من هذه الأشياء: «وفعل ما هو مستقيم في عيني الرب، وسار في جميع طرق داود أبيه، ولم يحد يمينًا ولا شمالًا».[8]
ولكن ماذا وجد هذا الملك المنحدر من نسل داود عليه السلام في الهيكل المقدس؟ تقول التوراة: «وأمر الملك بإخراج جميع الأشياء المصنوعة للبعل وللسارية ولكل جند السماء من بيت الله، وإحراقها خارج أورشليم».[9]
فإذا كان الهيكل يتمتع بهذه الدرجة من القداسة، فكيف وُجدت فيه أدوات ووسائل لعبادة الأصنام، ومنها أصنام البعل والسارية؟ ومن الذي أدخل هذه الأدوات إليه، حتى اضطروا بعد ذلك إلى إخراجها من أورشليم وإحراقها؟ والحقيقة أن اليهود هم الذين أضفوا القداسة على الهيكل، وأن الماسونيين عزّزوا مكانته من خلال تقديسه وجعله هدفًا أساسيًا لأنشطتهم.
وفيما يتعلق بالطراز المعماري للهيكل، يقول كاتب يُدعى «فيليب حتّي»: «إن زخارف الهيكل استُلهمت من الأنماط الكنعانية المعاصرة له، كما أن طقوس الهيكل وذبائحه تُظهر أساليب كانت شائعة بين الكنعانيين، وكان خَدَمة الهيكل أيضًا من الكنعانيين».[10]
بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك، فيقول إن كلمة «هيكل» نفسها مأخوذة من الكنعانيين، وإنها في الأصل كلمة سومرية تعني «البيت الكبير».[11]
وهكذا يبدو الهيكل، وفق هذا القول، كنعانيًّا في عمارته وطقوسه، وحتى في هوية خَدَمته، فضلًا عن احتوائه على آنية مخصصة لآلهة وثنية مثل البعل. ومع ذلك، لماذا يحظى بهذه الأهمية والمكانة لدى اليهود والماسونيين، حتى يصبح أساسًا وهدفًا دينيًا لهم؟
ولعل من أعظم المفارقات أن الهيكل يشبه بيت قارون أكثر مما يشبه بيت الله؛ إذ تخلو دور العبادة عادةً من الصور والزخارف التي قد تشغل قلوب العابدين عن العبادة. أما الهيكل، فقد كان يضم من الذهب ما لا يوجد في بيت أي ملك، وهو ما تؤكده التوراة في وصفها له.[12]
فقد جاء في وصف الهيكل في التوراة، مع استخدام وحدة الذراع: «وغطّاه بذهب خالص، وغطّى المذبح بخشب الأرز. وغطّى سليمان عليه السلام البيت كله من الداخل بذهب خالص، وربط أمام المحراب بسلاسل من الذهب، وغطّى البيت كله بالذهب إلى نهايته، وغطّى المذبح الذي في المحراب بالذهب، وغطّى الكروبيم بالذهب، وغطّى أرضية البيت من الداخل والخارج بالذهب، وصنع مصراعين لباب المحراب، وغطّاهما بالذهب، ونقش الكروبيم وأشجار النخيل بالذهب، ونحت صور الكروبيم والنخيل وبراعم الأزهار، وغطّاها بالذهب».[13]
وقد ذُكر الذهب في هذا الفصل وحده إحدى عشرةَ مرةً، كما تكرر الحديث عن تغطية الأرضية بالذهب، من الداخل والخارج، عدة مرات.
فما دلالة هذا الاهتمام المفرط بالذهب؟ وهل يوجد في العالم معبد يشبه هذا المعبد، باستثناء المعبد الذهبي للسيخ في الهند؟ إن هذا الاهتمام بالذهب والحليّ يوحي بأن اليهود والماسونيين يسعون إلى السيطرة على هذه الثروة وفرض سيطرتهم على العالم من خلالها.
وتُروى قصة أخرى تتعلق بدور الذهب ومكانته لدى اليهود. ومضمونها أن الفلسطينيين استولوا ذات مرة على تابوت الله غنيمةً، ثم تساءلوا: ماذا نفعل به، وكيف نعيده؟ فأجاب كبار الكهنة: لا تعيدوه فارغًا، بل أرسلوا معه قربان إثم، لكي يشفيكم الله من البواسير والفئران!
وجاء في التوراة: «إذا كنتم تعيدون تابوت إله إسرائيل، فلا تعيدوه فارغًا، بل أرسلوا معه قربان إثم، فتُشفَوا، وتعلموا لماذا لا ترتفع يده عنكم. فقالوا: ما قربان الإثم الذي نرسله له؟ فقالوا: اصنعوا خمسة بواسير من ذهب وخمسة فئران من ذهب، بحسب عدد أقطاب الفلسطينيين؛ لأن الضربة واحدة عليكم جميعًا وعلى أقطابكم».[14]
وتكشف هذه الرواية أيضًا عن المكانة البارزة التي يحتلها الذهب، حتى ليبدو كأن كل شيء يدور حول الذهب والحليّ!
ولعلنا، بعد دراسة دور الذهب ومكانته لدى اليهود والماسونيين، نستطيع أن نطرح هذا السؤال: هل يُطلب من الفلسطينيين اليوم أيضًا أن يقدّموا ذهبًا جديدًا على هيئة فأر أو فيل أو بقرة، حتى تتوقف إسرائيل عن قتلهم وتدمير بيوتهم وتهجيرهم؟
وهل سيسمح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى أرضهم إذا جمعوا حليَّ نسائهم وقدّموها إلى الحكومة الإسرائيلية؟[15]
تعليق واحد
تنبيه: الماسونية | القسم: 40 - کلمات عربي