قبل أن ننتقل إلى بحث علاقة الماسونية باليهودية والصهيونية، مع وضوح هذه العلاقة وكونها من البديهيات، نتوقف عند رموز هذه الحركة وعلاماتها. ويرى بعض الباحثين أن كثيرًا من هذه العلامات والرموز يرتبط باليهودية والصهيونية وتعاليمهما.
ومن المعلوم أن لكل حركة أو منظمة أو مدرسة باطنية سرية، سواء أكانت دينية أم فكرية أم سياسية، رموزًا وشعارات وأعدادًا ولغةً خاصةً تميّزها عن نظائرها. وتعكس هذه الدلالات معتقدات تلك الجماعات وطقوسها وأفكارها الخاصة، وهي أمور لا يدرك معانيها إلا المنتمون إلى تلك الجماعات والمؤمنون بمعتقداتها.
وينبغي أن نعلم أنه إذا كانت الصهيونية الإسرائيلية حركةً تهدف إلى جمع اليهود في أرض الميعاد، وإذا كانت بعض التيارات اليهودية تعتقد أن المسيح المنتظر سيأتي في آخر الزمان ليعيد قومه إلى أرض الميعاد ويحكم العالم من جبل صهيون، حتى يسود العدل والرخاء، فإن هذه التيارات قد حوّلت هذا الاعتقاد الديني إلى برنامج سياسي، كما حوّلت الشعارات والرموز الدينية إلى شعارات ورموز دنيوية وسياسية.
وبناءً على ذلك، تكاثرت الرموز والشعارات والأعداد الماسونية اليهودية الباطنية بصورة لافتة؛ حتى إن الشعار الماسوني الواحد قد يحمل دلالةً واحدةً أو دلالات متعددة بحسب السياق والظروف المحيطة. وقد تكون هذه الشعارات من ابتكار الماسونية نفسها، وقد تكون متأثرةً مباشرةً بشعارات الأمم والحضارات والديانات السابقة؛ فتكون الماسونية قد اقتبست تلك الشعارات كما هي، أو حرّفتها وغيّرتها لتنسجم مع مشروعات الماسونية العالمية الرامية إلى إقامة «نظام عالمي جديد»[1] ويتضح هذا الأمر من خلال المطالب السبعة الآتية:
المطلب الأول: الرموز الهندسية والمعمارية ذات الدلالات الماسونية الخاصة
1- رمز الهرم
يحتل رمز الهرم مكانةً مهمةً في الحضارات القديمة، ولا سيما الحضارة المصرية الفرعونية. وقد نُسبت إليه في بعض التأويلات الرمزية دلالات متعددة، منها التل البدئي، وجبل الحياة، وبيت الحكمة الذي يجسّد أسرار الحكمة والمعرفة ودلالاتهما. كما عُدّت زواياه الأربع رمزًا لأركان العالم الأربعة، أو للأعمدة التي تحمل قبة السماء، وقيل إنها تعبّر عن الحقيقة والمعرفة والسكون والغموض.[2]
أما في الفكر الماسوني، فيَعُدّه بعض الكتّاب من أبرز شعارات جماعة النورانيين؛ ولذلك فاقت الدلالات المنسوبة إليه ما نُسب إلى سائر الرموز.
ويرى هؤلاء الكتّاب أن الهرم يرمز إلى مؤامرة تهدف إلى تدمير الكنيسة الكاثوليكية، بوصفها ممثلةً للمسيحية العالمية، وإقامة نظام سياسي واقتصادي استبدادي تديره حكومة عالمية على غرار منظمة الأمم المتحدة.
ويستدل أصحاب هذا الرأي بوجود رمز الهرم على أوراق الدولار الأمريكي.
أما رمز «العين» الموجود عند قمة الهرم، والذي تنبعث منه الأشعة في مختلف الاتجاهات ويُسمّى «العين التي ترى كل شيء»، فيربطه بعض الكتّاب بجماعة النورانيين التي أسسها آدم وايسهاوبت سنة ١٧٧٦م، كما يربطونه بعين الإله الشيطاني «بافوميت»، بل بالمسيح الدجال نفسه، الذي يصفونه بأنه أعور يقف على قمة الهرم مهيمنًا على العالم.
كما يربط بعضهم هذه العين بحيرام أبيف، الشخصية المحورية في الرواية الماسونية، التي استندت إلى شخصية حيرام الصوري الواردة في «سفر الملوك الأول» (٧: ١٣–٢٢):
«وأرسل الملك سليمان وأخذ حيرام من صور، وهو ابن امرأة أرملة من سبط نفتالي، وأبوه رجل صوري نحّاس. وكان ممتلئًا حكمةً وفهمًا ومعرفةً لصناعة كل عمل في النحاس، فأتى إلى الملك سليمان وعمل كل عمله… وصوّر العمودين من نحاس؛ طول العمود الواحد ثماني عشرة ذراعًا، وخيط اثنتا عشرة ذراعًا يحيط بالعمود الآخر… وأقام العمودين في رواق الهيكل؛ فأقام العمود الأيمن ودعا اسمه ياكين، ثم أقام العمود الأيسر ودعا اسمه بوعز».[3]
ولا شك أن الماسونية لا تقصد بـ«حيرام أبيف» ذلك المعماري التاريخي، وإنما تقصد «حيرام أبيود» (ت سنة 40م)، أحد أركان اليهودية، الذي أسّس القوة اليهودية الخفية لضرب المسيحية وأتباعها.[4] وفوق العين تظهر عبارة «Annuit Coeptis»، ومعناها: «لقد أيّد مساعينا»، وتوجد أسفل الهرم مباشرةً عبارة «Novus Ordo Seclorum»، ومعناها: «نظام جديد للعصور».[5]
ويرمز المثلث المقدس، بأضلاعه الثلاثة، إلى صفات الإله الأزلي:
الضلع الأول يرمز إلى الوجود والحضور الإلهي؛
والضلع الثاني يرمز إلى القدرة والاستطاعة؛
والضلع الثالث يرمز إلى العلم والإحاطة.
ويرى بعض الكتّاب المناهضين للماسونية أن المقصود بهذا الإله الأزلي هو «لوسيفر»؛ الإله الشيطاني والملاك الساقط وإله «الكابالا» ومعبود الماسونيين، وأن عينه المطلقة تحيط بكل شيء داخل مثلثه المقدس.[6]
ويظهر ما يشبه هذه العين المشعة بالنور في الحضارة الفرعونية أيضًا؛ إذ تظهر في أسطورة إيزيس وأوزيريس على هيئة «عين الإله حورس» التي أصيبت بالأذى.[7]
[1] القط، خالد علي عباس، دلالات الرموز والأرقام المقدسة في الفكر الماسوني، ص: 209، مجلة الجمعية الفلسفية المصرية، السنة السادسة والعشرون، العدد السادس والعشرون.
[2] تيبو، روبر جاك، موسوعة الأساطير والرموز الفرعونية، ص: 335، ترجمة: فاطمة عبد الله محمود، الطبعة الأولى، 2004م، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، مصر.
[3] دلالات الرموز والأرقام المقدسة في الفكر الماسوني، ص: 211.