
الكاتب: أبو عائشة محمد إسحاق صالحي
البعث بعد الموت القسم التاسع والعشرون
المقدمة
تناولنا في الأقسام السابقة موضوع منكري المعاد بشيء من التفصيل. وفي هذا القسم نعرّف ببعض الفرق التي تنكر هي الأخرى المعاد والبعث بعد الموت، ولكن بطريقة مختلفة، وهي القول بالتناسخ؛ أي: إن الإنسان إذا مات وفارقت روحه جسده، انتقلت روحه إلى جسد آخر، سواء أكان ذلك الجسد جسدَ إنسانٍ أم جسدَ حيوانٍ. وهذه المسألة من المسائل الحساسة والمثيرة للجدل.
ومن العقائد الفاسدة الشائعة بين بعض الديانات والأمم عقيدةُ التناسخ، والمقصود بها انتقال روح الميت من جسده الأصلي إلى جسد مخلوق حيّ آخر، سواء أكان جسدَ إنسانٍ أم جسدَ حيوانٍ. والغاية من هذا الانتقال أن تُمنح هذه الروح فرصةً أخرى بعد انتهاء فرصتها الأولى؛ لكي تتخلص من الأدران، ومن الذنوب التي ارتكبتها؛ لأن الحياة الدنيا قصيرة جدًّا، فلا بد من منح الروح وقتًا كافيًا لتطهير نفسها من الذنوب. وقد عرّف بعضهم التناسخ بأنه دوران الروح وتكرُّر ولادتها مرارًا.
تعريف التناسخ
التناسخ في اصطلاح القائلين به هو: «رجوع الروح بعد موت الجسد إلى العالم الأرضي بحلولها في جسد جديد».[1]
وقد شرح مؤلف كتاب «الملل والنحل» التناسخ بقوله: «إن أصل ظهور التناسخ والحلول كان من هؤلاء القوم (الحرنانية). والتناسخ هو أن تتكرر الأدوار والدورات إلى ما لا نهاية، وأن يقع في كل دور ما وقع في الدور الأول.
والثواب والعقاب في هذه الدنيا، لا في عالم لا عمل فيه. وكل الأعمال التي نقوم بها الآن إنما هي جزاءٌ لما قمنا به من أعمال في الأدوار الماضية. وما نجده في هذه الدنيا من السرور والفرح والبهجة والسعادة إنما هو نتيجةٌ للأعمال الصالحة التي عملناها في الماضي، وما يصيبنا من الحزن والغم والألم والمعاناة فهو عقوبةٌ على الأعمال السيئة التي ارتكبناها في الماضي. وهكذا كان الأمر في الماضي، وسيكون كذلك في المستقبل؛ لأن الفناء التام من جميع الوجوه لا يُتصوَّر صدورُه عن ذاتٍ حكيمةٍ».[2]
ما أنواع التناسخ؟
ورد في بيان صور التناسخ ما يأتي:
1- النسخ: رجوع الروح إلى جسد إنسان آخر؛
2- المسخ: رجوع الروح إلى جسد حيوان جديد؛
3- الرسخ: رجوع الروح إلى جسم نباتي؛
4- الفسخ: رجوع الروح إلى جسم جامد.[3]
مَن القائلون بالتناسخ؟
تدل البحوث على أن القائلين بالتناسخ ليسوا فرقةً واحدةً ولا فرقتين، بل هناك فرق متعددة تقول به. وسنحاول، استنادًا إلى المصادر المتاحة لدينا، أن نذكر فيما يأتي أهم الفرق القائلة بالتناسخ.
مفهوم التناسخ في الديانة الهندوسية
تُعَدُّ نظرية التناسخ أو إعادة التجسد جانبًا مهمًّا من النظام العقدي والاجتماعي في الهند، ولها دور بارز في تشكيل أعمال الناس وأخلاقهم وطريقة تفكيرهم. ومن ثَمَّ، تأثرت شبه القارة الهندية والثقافات التي ارتبطت بها بهيمنة نظرية «السمسارا»، أي: ما هو دائم الدوران، وبدورة الميلاد والموت.[4]
وتُعَدُّ دياناتُ أهل الهند من أقدم الديانات وأكثرِها شهرةً بالاعتقاد بالتناسخ، حتى إن أكثر الذين اعتنقوا هذا الاعتقاد بعدهم قد تأثروا بهم. والتناسخ عندهم هو رجوع الروح إلى الأرض بعد خروجها من الجسد وانتقالها إلى جسد آخر. فإذا مات الإنسان خرجت روحه من جسده، وحلّت في جسد طفل وُلد في اللحظة نفسها.
غير أن ذلك عندهم يجري على تفصيل؛ فإن كان الإنسان الذي مات صالحًا ومحسنًا في حياته، انتقلت روحه إلى جسد طفل وُلد في طائفة أرفع من طائفته وأعلى منه نسبًا. أما إذا كان الميت في حياته إنسانًا فاسدًا غير صالح، فإن روحه تنتقل إلى جسد طفل وُلد في طائفة أدنى.
فإذا استمر الإنسان في حياته التالية في الفساد وسوء العمل، وُلد مريضًا، وإذا استمر فسادُه في المرحلة الثالثة، أي: حين تخرج الروح من جسد الشخص الثاني وتنتقل إلى جسد شخص ثالث، وُلد في صورة حيوان. وإذا استمر فسادُه وسوء عمله، انحدر في كل مرحلة إلى مرتبة أدنى من مراتب الحيوانات، حتى ينتهي به الأمر إلى أن يصير بعوضةً أو برغوثًا.
أما من يتدرج في مراتب الصلاح والإحسان، ويرتقي في كل مرة درجةً، فإنه يصل في نهاية المطاف إلى أعلى الطوائف، وهي طبقة البراهمة. فإذا بلغ هذه المرتبة واستمر بعد ذلك على صلاحه وإحسانه، تنتهي دورة الحياة، وتتحد روحه ببراهما، أي: إلههم. وهذا ما يُسمَّى عندهم «النيرفانا»، وهي أعظم سعادة يمكن للروح أن تطمح إليها.[5]
ومن العقائد المهمة عند الهندوس تناسخ الأرواح، ومعناه انتقال الأرواح، في أدوار متعاقبة ومتتابعة، من جسد إلى جسد آخر. ويعتقد الهندوس أن الإنسان إذا مات انتقلت روحه إلى جسد آخر، وقد يكون ذلك الجسد جسدَ حيوان، ويكون فيه سعيدًا أو شقيًّا بحسب أعماله الماضية؛ ولكنه في الدور الثاني لا يشعر بشيء مما وقع له في الدور الأول. وتستمر هذه الأدوار على هذا النحو حتى تصفو الروح وتطهر، وتصبح مؤهلة للاتحاد ببراهما.[6]
وقد أدت بهم هذه المعتقدات الباطلة والواهية إلى ألا يقيموا للآخرة وزنًا، وألا يعتنوا كذلك بجثمان من يموت منهم، حتى إنهم يحرقون جسده؛ لأن أمره، بحسب معتقدهم، قد انتهى، ولن يبقى له بعد ذلك أثر.
يتبع…
[1] المسير، د. محمد سيد أحمد، الروح في دراسات المتكلمين والفلاسفة، سنة 1988م، ص 203.
[3] المسير، د. محمد سيد أحمد، الروح في دراسات المتكلمين والفلاسفة، سنة 1988م، ص 203.
[4] الإياسي، بريا، «الحياة بعد الموت والتناسخ في النصوص المقدسة الهندوسية»، منشور في مجلة بحوث الأديان النصف سنوية المتخصصة، السنة الثالثة، العدد السادس، سنة 1388هـ ش، ص 7.
[5] القرشي، حميد جابر، لماذا نحن مسلمون، بلا تاريخ، ص 25.
[6] الحوالي، د. سفر بن عبد الرحمن، أصول الفرق والأديان والمذاهب الفكرية، بلا تاريخ، ص 103.