
الكاتب: أبو عائشة محمد إسحاق صالحي
البعث بعد الموت القسم السادس والعشرون
المقدمة
تناولنا في الأقسام السابقة بعضًا من أهم الشبهات التي أثارها منكرو المعاد. ولما كانت هذه الشبهات لا تزال تُثار، فإننا نحاول في هذا القسم أيضًا أن نواصلَ عرضَها.
الشبهة الخامسة: استقلال الروح
يعتقد الماديون أن القول بوجود حياة أخرى بعد الموت لا أصل له، وأنه عارٍ من الصحة، ويستدلون على ذلك بفناء النفس وزوالها؛ فبموت الإنسان ينتهي أمره، وبناءً على ذلك لا توجد حياة أخرى بعد الموت.
يقول إرنست هيغل: «إذا نظرنا إلى المادة من منظور العقل، بعيدًا عن تأثير الدين، وجدنا أن الاعتقاد بالخلود لا يتوافق مطلقًا مع حقائق التطور والنمو…» ثم يضيف قائلًا: «عندما ندرس تاريخ العقيدة، ندرك أن الإيمان بالخلود موضوع لم تكن له أي مكانة لدى العلماء».[1]
ونستنتج من كلامهم هذا أنهم يرون أنه لا عودة للإنسان أصلًا، وإذا كان الأمر كذلك، فمن الطبيعي أن يكون من نتائج هذا الرأي اعتبارُ تلك المعتقدات خارجةً لا محالة عن نطاق العقل.
ويقول إرنست هيغل في توضيح ذلك: إن الإنسان يبذل كل جهده لملء الفراغ الذي نشأ في داخله من زوال الإيمان بقوانين الطبيعة، ويستعين بكل وسيلة لسدّه؛ فيتخذ من ذلك الاعتقاد مرتكزًا نهائيًّا، مع أنه لم يكن له من قبل أي أساس في ميدان التقدم العلمي. ومقصوده بهذا الكلام العقائد الدينية.[2]
الجواب عن الشبهة
ينبغي، قبل كل شيء، أن نعلم أن هذه الشبهة واهية لا أساس لها، وسنحاول فيما يأتي الإجابة عنها بالأدلة:
إن ما يقوله هؤلاء ومن يسير على نهجهم ليس إلا تعبيرًا عن شهوات النفس وأهوائها.
فإنكار الحياة الأخرى بدعوى أن النفس فانية ومرتبطة بالجسد، أي إنها توجد بوجوده وتنعدم بانعدامه، ليس إلا فرضيةً محضةً لا دليل على صحتها، بل يمكن القول إن هذا الإنكار مجرد ظن؛ لأنه ادعاء بلا دليل.
2. يستند هؤلاء في دعاواهم إلى عمليات تشريح الجثث التي يرون أنها تدل على عدم وجود الروح، ويقولون: إذا لم تكن الروح موجودة، فلا معاد أصلًا. وهذه الدعوى باطلة بدورها؛ لأن عدم الرؤية لا يدل على عدم الوجود. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الإنسان مُركَّب من جزأين: جزء مادي وجزء روحي، وما يخضع للتجربة إنما هو الجزء الأول، أما الجزء الثاني فلا يخضع لها. وهذا ما أثبته البروفيسور دوكاس؛ فقد انتهى إلى الاعتقاد بوجود حياة أخرى؛ لأنه وجد، في أثناء بحثه وتحقيقه، شواهد كثيرة تؤكد وجود الروح في الإنسان، وهو ما حمله في النهاية على الإيمان بالآخرة.
3. إن الله تعالى الذي أوجد الإنسان، فأحسن خلقه، وسوّى هيئته وصورته، وأودع فيه عجائب الخلق والتقدير، قادرٌ بلا شك على إحيائه وإعادته، وبعثِ الموتى، وإحياءِ العظام بعدما بليت وفنيت.[3]
4. وردت آيات وأحاديث كثيرة تثبت أن الروح تبقى بعد فناء الجسد، ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن أرواح الشهداء: «أرواح الشهداء في أجواف طير خضر… تسرح في الجنة».[4]
يتبع…
[1] المقدّم، جيهان نور الدين محمد، «المعاد بين المثبتين والمنكرين: دراسة تحليلية نقدية»، مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية، المجلد السابع والثلاثون، العدد الثاني، 2019م، ص 60.
[2] المرجع السابق، ص 60
[3] المقدّم، جيهان نور الدين محمد، «المعاد بين المثبتين والمنكرين: دراسة تحليلية نقدية»، مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية، المجلد السابع والثلاثون، العدد الثاني، 2019م، ص 60.