الكاتب: مفتي عبيدالله
المقتداء {الإمام الأعظم أبو حنيفة (رحمه الله)} (القسم الثاني)
ندوةٌ حول مناقب سراج الأمة الإمام الأعظم أبي حنيفة (رحمه الله)كلمةُ شيخِ القرآن والحديث، حضرةِ المولانا معلم جان الحنفي (حفظه الله) (المتابع)
قال الحافظ جمال الدین المِزِّي رحمه الله: إنَّ هذا الحديث حسنٌ بسبب تعدد طرقه. فإذا ثبت هذا، فلا يبقى حينئذٍ شكٌّ في ثبوت سماع الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله من الصحابة رضي الله عنهم، ومع ذلك لو نفرض عدم ثبوت السماع، فإن اللقاء ثابتٌ يقينًا، ولذلك فإن كون الإمام أبي حنيفة رحمه الله من التابعين قد أقرّه المحققون.
وقد صرّح جماعة من العلماء بكونه من التابعين، منهم: ابن سعد في الطبقات الكبرى، والذهبي في تذكرة الحفاظ، وابن حجر العسقلاني في تهذيب الكمال، والقسطلاني في شرحه على البخاري، والنووي في تهذيب الأسماء واللغات، وجلال الدين السيوطي، حيث أثبتوا جميعًا له وصف التابعي.
ومن الأمثلة علی ذلك: أن من شيوخ الإمام أبي حنيفة رحمه الله، بل من كبار شيوخه، عامر بن شراحيل الشعبي المعروف بالإمام الشعبي، وهو من شيوخ الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
وقد أخذ الشعبي علمه عن نحو خمسمائةٍ من الصحابة رضي الله عنهم، فهو تلميذ خمسمائة صحابي، ويُعدّ من كبار شيوخ الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
وكان الشعبي رحمه الله ذا قوةٍ عجيبة في الحفظ، حتى كان يقول: إنه وإن لم يكن له عناية بالشعر، فإنه لو أراد أن يبدأ بإنشاده دون استعدادٍ أو مراجعة أو مطالعة دواوين الشعراء، لاستمرّ شهرًا كاملًا ينشد الشعر دون أن ينتهي.
إذا كان من الأمور غيرُ المقصودة قد حفظها بهذه الدرجة، فكيف بأحاديث رسول الله صلی الله علیه وسلم وقد دعا النبي صلی الله علیه وسلم بقوله: «نضَّرَ اللهُ عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها ثم أدّاها كما سمعها»، أو كما قال صلی الله علیه وسلم، فما مقدار حفظه له؟
وذات یوم کان یمر عبدُ الله بن عمر رضي الله عنهما في طريقٍ ما، وكان عامر بن شراحيل الشعبي، وهو من شيوخ الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله، يذكر مغازي النبي صلی الله علیه وسلم.
فأصغى إليه ابن عمر رضي الله عنه، ثم قال: إني قد شهدتُ الغزوات مع رسول الله صلی الله علیه وسلم، ومع ذلك فإن مغازي النبي صلی الله علیه وسلم ليست محفوظة عندي كما هي محفوظة عند عامر بن شراحيل رحمه الله.
وهذا الشعبي رحمه الله يُعدّ من كبار شيوخ الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وأستاذه الثاني فهو حماد بن سليمان كان أستاذًا خاصًا عنده، وكان الإمام أبا حنيفة رحمه الله يحترمه احترامًا بالغًا، حتى أنه لم يكن يمد رجليه في حضرته، وكان حماد بن سليمان عالمًا بالحديث وبالفقه، وله روايات في صحيح مسلم، وأبو داود، والترمذي الشريف.
والأستاذُ الثالثُ للإمامِ أبي حنيفةَ رحمهُ اللهُ هو أبو إسحاقَ السَّبيعيُّ، وهو شخصيةٌ عظيمةٌ تَلَقَّى العِلمَ عن ثمانيةٍ وثلاثينَ من الصحابةِ الكرامِ، وكان أيضًا من شيوخِ الإمامِ أبي حنيفةَ رحمهُ الله، وقد تخرّجَ على يديه عددٌ كبيرٌ من أئمةِ الدينِ وكبارِ المحدِّثين، ومن تلامذته :عبدُ اللهِ بنُ المباركِ رحمهُ الله، ومكّيُّ بنُ إبراهيم، وزيدُ بنُ هارون، وعاصمٌ النبيل، وكذلك الإمامُ الكبيرُ في علمِ الجرحِ والتعديلِ يحيى بنُ سعيدٍ القطان، فقد كان كبارُ أئمةِ الحديثِ من تلامذةِ الإمامِ، مما يدلُّ على مكانتِه العلميةِ الرفيعة.
وما عدا ذلك، فإنَّ من كبارِ المحدِّثين المشهورين مثل: أحفصَ بنِ غياثٍ النخعي، ويحيى بنِ زكريا أبي زائدة، ومسعرِ بنِ كِدام، وأبي عاصمٍ النبيل، وقاسمِ بنِ معن، وعليِّ بنِ المُسهِر، وفضلِ بنِ دُكَيْن، وعبدِ الرزاقِ بنِ الهُمام رحمهمُ الله كانوا من تلاميذِ الإمامِ الأعظمِ أبي حنيفةَ رحمهُ الله.
وقال تلميذُه الخاصُّ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ رحمهُ الله: لولا أنَّ اللهَ أغاثني بأبي حنيفةَ رحمهُ الله وسفيانَ رحمهُ الله لكنتُ كسائرِ الناس.
ونقل الحافظُ ابنُ حجرٍ رحمهُ الله في كتابِه «التهذيب» عن يحيى القطان أنَّه قال: قد أخذنا بأكثرِ أقوالِه.
وفي كتاب “الجوامع المضيئة في طبقات الحنفية”، وكذلك في “مناقب الإمام” (ص 191، ج 1) نقل موفق عن يحيى بن معين، عن يحيى بن سعيد القطان رحمهما الله، قوله: (جالسنا والله أبا حنيفة رحمه الله وسمعنا منه، وكنتُ والله إذا نظرتُ إليه عرفتُ في وجهه أنه يتقي الله عزوجل). (تاريخ بغداد، ص 352) وكذلك فإنَّ أستاذ الإمام الشافعي رحمه الله، وهو وكيع بن الجراح رحمه الله، كان من تلاميذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
وقد اعترف علماء ذلك العصر ومحدِّثوه بمكانته العلمية اعترافًا واضحًا، بحيث لم يُنقل مثل هذا القَبول العلمي الواسع لغيره في ذلك المستوى، ومن شيوخ الإمام البخاري رحمه الله، مكّي بن إبراهيم، الذي روى عنه أكثر الأحاديث الثلاثية، قال في حق الإمام أبي حنيفة: (وكان إمامَ زمان)، وفي بعض الروايات: (وكان أعلمَ أهل زمانه) فالإمام أبو حنيفة رحمه الله كان في عصره من أوسع الناس علمًا، ومكّي بن إبراهيم يبيّن أن علمه في الحديث كان واسعًا ومتميزًا في زمانه، حتى إن شيوخ الإمام البخاري كانوا يثنون عليه هذا الثناء العظيم.
ذكرَ زيدُ بنُ هارونَ رحمهُ الله أنه قال: (أدركتُ ألفًا من الشيوخ، وكتبتُ عنهم، فما وجدتُ أفقهَ ولا أورعَ ولا أعلمَ من خمسةٍ، أولُهم الإمامُ أبو حنيفةَ رحمهُ الله رحمةً واسعة) أي قد رأيتُ أكثرَ من ألفِ شيخٍ وكتبتُ عنهم الأحاديث، لكنني لم أرَ فيهم أكثرَ من خمسةٍ جمعوا الفقهَ والورعَ والعلمَ، وكان أولُ أولئك الخمسة الإمامَ أبو حنيفةَ رحمهُ الله.
وقال الإمامُ أبو داودَ رحمهُ الله في حقِّ الإمام أبي حنيفة: (كان إمامَ زمانه)، أي كان إمامًا في علم الحديث، يُقتدى به ويُتَّبع في هذا العلم.
فإذا كانت نشأةُ شخصٍ مثل هذا في مركزٍ علميٍّ كهذا، وتربّى على أيدي تلامیذ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه، وكان له من الشيوخ مثلُ عامرِ بنِ شراحيل، ومن التلاميذ مثلُ عبدِ اللهِ بنِ المبارك رحمهُ الله، فإنَّ من العبث والبعد عن الصواب أن يُتصوَّر أن منزلته في علم الحديث كانت ضعيفةً أو أنه لم يكن له ارتباطٌ به، ومن أوضح الدلائل على مكانته في علم الحديث كتابُه (كتاب الآثار) فقد اختار فيه الإمام أبو حنيفة رحمهُ الله من أربعين ألف حديث.
وقد كان عصرُه أسبقَ من عصر الإمام البخاري رحمهُ الله، ولم تكن الأسانيدُ وطرقُ الحديث قد اتسعت في ذلك الزمان كما اتسعت في زمن البخاري، فكأن هذا الانتقاء جرى من عددٍ عظيمٍ من الأحاديث، ويُعدُّ هذا الكتاب من خصائص الإمام أبي حنيفة، إذ يُعدُّ أولَ كتابٍ في العالم الإسلامي في علم الحديث يُرتَّب على الأبواب الفقهية، ولم يُعرف قبله كتابٌ بهذا الترتيب، وهو من مآثره العلمية التي تُعدُّ فخرًا له وللأمة.
فيما يتعلق بمهارة الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله في علم الحديث، يكفي في ذلك أنه إمامٌ مجتهدٌ متَّفَقٌ عليه، ومن شروط الاجتهاد اللازمة أن يكون المجتهد ماهرًا في علم الحديث.
وعلى هذا الأساس، كيف يمكن قبول وجود ضعفٍ في الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ثم يُعدُّ في الوقت نفسه إمامًا مجتهدًا؟ وقد تقدّم ذكر أقوال كبار المحدّثين في مناقبه، ومن ذلك ما ذكره الحافظ الذهبي رحمه الله في كتابه “تذكرة الحفاظ” (ج 1، ص 195) بسنده عن سفيان بن عيينة رحمه الله، حيث قال: (لم يكن في زمان أبي حنيفة بالكوفة رجلٌ أفضل منه، ولا أورع، ولا أفقه منه).
وقال الإمام أبو يوسف رحمه الله، وهو من كبار تلامیذ الإمام أبي حنيفة: إنه كان إذا استنبط الإمام مسألة فقهية، فإن كل تلميذ كان يسعى لإرضاء شيخه، فكنتُ أخرج إلى شيوخ الكوفة فأجمع الأحاديث التي تؤيد مسألة الإمام أبي حنيفة، وقد ذكرنا أن في الكوفة آلاف الشيوخ.
ثم كنتُ أعرضها على الإمام أبي حنيفة، فأقول: هذه الأحاديث تؤيد مسألتك. فيبدأ الإمام بالتحقيق في كل حديث، ويبيّن لي واحدًا تلو الآخر ما فيه من ضعف أو علّة، وفي النهاية كان يبتسم ويقول: أنا أعلمُ بحديث أهل الكوفة، أي إن علمه بحديث الكوفة كان واسعًا ومحيطًا به.
كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله مظهرًا للعلم وكأنه تجسيدٌ له، بل كأن صورته كلها صورةُ علمٍ ومعرفة، وهذا من أعظم مواضع الفخر أن منَّ الله تعالى علينا باتباع الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله والانتساب إلى مذهبه.
وقد يذكر العلماء أحيانًا لقب (سراج الأمة)، وهو مأخوذ من قولٍ نُقل عن عليٍّ رضي الله عنه في أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، إذ قال: (أصحابُ عبدِ الله سُرُجُ هذه الأمة)، فكان الإمام أبو حنيفة رحمه الله من أتباعهم وتلامذتهم، ولذلك يُقال له: سراج هذه الأمة.
ونحن نُطلق على الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالی لقب (الإمام الأعظم)، وقد يُثير بعضُ من قلَّ نصيبهم من العلم، أو ممن في قلوبهم شيء من العداوة له، شبهاتٍ عند بعض الشباب، فيقولون: لماذا لا تقولون للنبي صلی الله علیه وسلم الإمام الأعظم وتقولونه للإمام أبي حنيفة؟
وهذا الاعتراض ناشئ عن سوء فهم، إذ إننا حين نطلق على الإمام أبي حنيفة لقب (الإمام الأعظم) فإننا لا نقارنه بالأنبياء عليهم السلام، وإنما نقارنه بغيره من الأئمة والعلماء، فهو تعبير عن مرتبته بين علماء الأمة، لا في مقابل مقام النبوة.
ویمکن توجیه هذا السؤال إلیهم أیضا: لماذا تقولون لعمر بن الخطاب رضي الله عنه (الفاروق الأعظم) ولا تقولون ذلك للنبي صلی الله علیه وسلم ولماذا تُسمّون أبا بكر الصديق رضي الله عنه (الصديق الأكبر) ولا تُطلقون هذا اللقب على النبي صلی الله علیه وسلم؟
والجواب أن هذه الألقاب تُستعمل في سياق المقارنة داخل طبقة الصحابة رضي الله عنهم، فنقول: عمر رضي الله عنه كان (الفاروق الأعظم) بين الصحابة، وأبو بكر رضي الله عنه كان (الصديق الأكبر) بين الصحابة، والإمام أبو حنيفة رحمه الله هو (الإمام الأعظم) بين أئمة الفقه.
وليس المقصود بهذه الألقاب مطلق التفاضل مع النبي صلی الله علیه وسلم، فإن هذا من الخطأ وسوء الفهم، وإنما المقصود بيان مراتبهم ودرجاتهم داخل طبقتهم العلمية أو التاريخية، لا في مقابل مقام النبوة.
وهذا مما يغلط فيه بعض الناس فيثيرون به الشبهات في عقول الشباب، فيوهمونهم بأن في ذلك تعارضًا، وليس الأمر كذلك.
وفي الختام نسأل الله تعالى أن يتقبل هذا الجهد، وأن يجعله في ميزان الحسنات، وأن يوفقنا لمزيدٍ من الأعمال العلمية النافعة، وأن يرزقنا معرفة سلف الأمة وأئمتها حق المعرفة، والاقتداء بهم على بصيرة، والتمسك بمنهجهم العلمي، وإحياء التراث العلمي والتحقيقي لعلمائنا وأسلافنا، والسير على نهجهم القويم.
يتبع…
القسم السابق

