نستعرض فيما يأتي بعض الأدلة التي تثبت موقف أهل السنة والجماعة من المعاد الجسماني والروحاني. ولكن قبل عرض موقف المسلمين عمومًا، وأهل السنة والجماعة خصوصًا، من هذه المسألة، يحسن أن نلقي نظرة على المعاد في الديانتين اليهودية والمسيحية، كما جاء في القرآن الكريم.
إثبات المعاد في الديانتين اليهودية والمسيحية
الديانة اليهودية
كانت الديانة اليهودية التي جاء بها موسى عليه السلام من عند الله تعالى زاخرة بذكر وجوب الإيمان بالآخرة والبعث بعد الموت والحساب، وقد نقل القرآن الكريم هذا الاعتقاد عن اليهود. قال الله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾[١]. وقال الله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام في موضع آخر: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾[٢].
الديانة المسيحية
الإيمان بالبعث بعد الموت ثابت كذلك في الديانة المسيحية. والمقصود هنا بالديانة المسيحية الدين الذي أنزله الله تعالى على عيسى عليه الصلاة والسلام. ولا شك في أن هذا الدين كان، قبل أن يلحقه التحريف والتغيير، يثبت البعث بعد الموت، شأنه في ذلك شأن سائر الأديان. قال الله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾[٣]. وتشير المراجعة إلى أن الأناجيل، على الرغم مما لحقها من التحريف والتغيير، لا تزال تصرّح بالمعاد الجسماني والروحاني؛ لأن الإيمان بالمعاد أصل من أصول الديانة المسيحية. فقد وردت، على سبيل المثال، إشارات كثيرة إلى المعاد الجسماني والروحاني في كلٍّ من إنجيل متّى، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا، وإنجيل مرقس.[٤] ومن الجدير بالذكر أن ما سبق بيانه عن موقف الديانتين اليهودية والمسيحية من المعاد يرجع إلى ما قبل تحريف هاتين الديانتين وتغييرهما. أما اليوم، فلا تكاد هذه المعتقدات تظهر فيهما، بل إن معظم الكتب تعدّ اليهودية والمسيحية من الديانات المنكرة للمعاد.
موقف أهل السنة والجماعة من المعاد الجسماني والروحاني
جاء في شرح العقائد النسفية في بيان البعث بعد الموت والمعاد: «(والبعث بعد الموت حقّ)، وهو أن يبعث الله تعالى الموتى من القبور، بأن يجمع أجزاءهم الأصلية، ويردّ إليها أرواحهم».[٥] كما كتب العلامة عبد الغني الغنيمي الحنفي رحمه الله، شارح كتاب العقيدة الطحاوية، في شرحه لقول الإمام الطحاوي رحمه الله: «ونؤمن بالبعث بعد الموت»: «يحيي الله تعالى العباد جميعًا، ويعيدهم بأجزائهم الأصلية كلها؛ وهي الأجزاء التي تبقى من أول العمر إلى آخره، ويردّ الأرواح إليها، ثم يسوق الجميع إلى المحشر للقضاء والفصل بينهم».[٦]
[٤] العواجي، د. غالب بن علي، الحياة الآخرة ما بين البعث إلى دخول الجنة أو النار، ١٤٢١هـ/٢٠٠٠م، ج ١، ص ١٢٠–١٢١. ولمزيد من المعلومات عن المعاد والبعث الروحاني والجسماني في الديانة النصرانية، وورود هذا الموضوع في الأناجيل، يُراجع الكتاب المذكور؛ فقد تناول المؤلف هذا الموضوع بالتفصيل.
[٥] التفتازاني، سعد الدين، شرح العقائد النسفية، الطبعة الأولى، ١٣٩٤هـ.ش، الناشر: شيخ الإسلام أحمد جام، ص ٢٦٠.
[٦] الغنيمي الدمشقي الحنفي، عبد الغني، شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق: محمد مطيع الحافظ ومحمد رياض المالح، ١٤١٢هـ/١٩٩٢م، ص ١١٧.