لا شك في أن إنكار البعث بعد الموت ناقضٌ للإيمان، وإن اختلفت صوره وتنوّعت أشكاله[1]؛ لأن من ينكر البعث بعد الموت ينكر آياتٍ قرآنيةً كثيرةً تبيّن هذه المسألة، ويتجاهلها. والإيمان بالبعث بعد الموت من المعلوم من الدين بالضرورة، فمن أنكره خرج من الإسلام[2]. ولكي نبحث هذه المسألة وندرسها بمزيدٍ من التفصيل، نذكر فيما يأتي بعض الآيات التي تدل على أن من أنكروا البعث بعد الموت كفّار، وأن مصيرهم جهنم.
حكم إنكار البعث بعد الموت في ضوء آيات القرآن
إذا تأملنا آيات القرآن الكريم بعناية، تبيّن لنا أن الذين أنكروا البعث بعد الموت كفّارٌ بحكم القرآن الكريم، ولا شك في كفرهم. يقول الله تعالى صراحةً: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[3]. وجاء في كتاب اللباب في علوم الكتاب عند تفسير هذه الآية: يُفهم من هذه الآية أن الذين ينكرون البعث بعد الموت والقيامة كفّار. وسبب الحكم بكفر منكر البعث بعد الموت أن إنكاره يستلزم إنكار قدرة الله تعالى وعلمه وصدقه…[4] وفي آياتٍ أخرى، يحكي القرآن الكريم عن مؤمنٍ يخاطب رجلًا كافرًا، فيقول: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾[5].
حكم منكري البعث بعد الموت في ضوء أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم
يُستفاد من دراسة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أن الذين ينكرون البعث بعد الموت كأنما يكذّبون الله تعالى. ورُوي في حديثٍ مرفوع عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الله تعالى يقول: «كذّبني ابن آدم، وما ينبغي له ذلك، وشتمني ابن آدم، وما ينبغي له ذلك. فأما تكذيبه فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته. وأما شتمه فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفؤًا أحد»[7].
حكم منكر البعث بعد الموت في ضوء إجماع الأمة وأقوال العلماء
أجمعت الأمة على إثبات البعث بعد الموت، كما أجمع علماء هذه الأمة على كفر منكره. وقد نقل هذا الإجماعَ كثيرٌ من العلماء، ونذكر فيما يأتي بعض أقوالهم: قال القاضي عياض رحمه الله: «…وكذلك من أنكر البعث بعد الموت أو الحساب، فهو كافرٌ بإجماع؛ لورود النص فيه، واتفاق الأمة على صحة نقله بالتواتر»[8]. وقال العلامة السفاريني رحمه الله: «المراد بالبعث هو البعث الجسماني؛ لأن هذا هو الظاهر من معنى المعاد، إذ هو الأمر الذي يجب اعتقاده، ومنكره كافر»[9]. وقال الإمام ابن عبد البر رحمه الله: «أجمع المسلمون على أن من أنكر البعث بعد الموت فلا إيمان له، ولا تُقبل شهادته. وفي هذا من الأدلة ما يغني عن كل شيء ويكفي الجميع. ومع ذلك فقد أكّد القرآن وجوب الإقرار بالبعث بعد الموت، وليس لأحدٍ سبيلٌ إلى إنكاره»[10]. وقال البهوتي رحمه الله: «من أنكر البعث بعد الموت فهو كافر؛ لأنه أنكر كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأمة»[11]. وقال ابن حزم رحمه الله: «اتفق جميع أهل القبلة، على اختلاف فرقهم، على الإيمان بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وعلى كفر من أنكره»[12].وكتب في موضعٍ آخر: «أو أنكر البعث بعد الموت، فهو خارجٌ من دين الإسلام باتفاق جميع الأمة»[13]. وقال الإمام الشوكاني رحمه الله: «حاصل الكلام أن البعث بعد الموت أمرٌ اتفقت عليه الشرائع، وبيّنت حقيقته جميع كتب الله تعالى، ووافق عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم، ولم يخالف فيه أحد. وكذلك اتفق على هذا الأمر جميع أتباع الأنبياء من مختلف الأمم، ولم يُنقل عن أحدٍ إنكاره»[14]. والبعث بعد الموت أصلٌ من أصول الإيمان، وركنٌ من أركانه، ولا يكتمل الإيمان بدونه. فمن لم يؤمن بالبعث بعد الموت ولم يعتقده، فهو كافرٌ بإجماع المسلمين[15]. وينبغي أن يُعلم أن البعث بعد الموت والمعاد حقيقةٌ عظيمة لا يمكن إنكارها، ولا مفرّ منها؛ لأن الله تعالى أودع في هذا الكون دلائلَ كثيرةً، وجعلها محيطةً بالإنسان من كل جانب، حتى لا يبقى له سبيلٌ إلا الإقرار بها والاعتراف بحقيقتها. وإنكار هذه الحقيقة وتجاهلها إنكارٌ لأمرٍ تقتضي حكمة الله تعالى وعدله أن يترتّب عليه الجزاء الأخروي[16].