المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله) (القسم الخامس والعشرون)
الحياة السياسية للإمام أبي حنيفة رحمه الله (تابع)
الإرث العلمي والفكري للإمام أبي حنيفة رحمه الله عبر التاريخ:
تركت جهود الإمام أبي حنيفة رحمه الله في نشر العدل ومواجهة الظلم آثارًا عميقةً في المجتمعات الإسلامية، ولا سيما في العصر العباسي الذي جاء بعد سقوط الدولة الأموية، فقد وصل العباسيون إلى الحكم رافعين شعارات نصرة أهل البيت وتحقيق العدل، غير أنهم عادوا في بعض الممارسات إلى اتباع بعض الأساليب التي عُرفت في العهد الأموي. ومع ذلك، بقي تراث الإمام أبي حنيفة رحمه الله ومدرسته الفقهية نموذجًا للمقاومة الفكرية والثقافية في مواجهة مختلف صور الظلم، وظل منهجه العلمي مصدرًا مؤثرًا في تاريخ الفكر الإسلامي. وبوجهٍ عام، يمكن القول إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله عاش في واحدة من أكثر المراحل صعوبةً في التاريخ الإسلامي، ومع ما واجهه من ضغوطٍ ومواقفَ شديدةٍ من جانب بعض الحكام، فإنه واصل رسالته في نشر العلم وترسيخ مبادئ العدل والإنصاف.
مفهوم السياسة عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله:
جعل الإمام أبو حنيفة رحمه الله موقفه السياسي تجاه الحكام الظالمين والمتسلطين منسجمًا تمامًا مع التصور الفقهي والشرعي للإسلام، وهو منهجٌ لا يقدر على بلوغه كثيرٌ من أصحاب المكانة والمنزلة، ويمكن التعبير عن سياسته بمفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بمعنى الدعوة إلى تطبيق تعاليم الإسلام بصورةٍ شاملةٍ في حياة الناس، وهي سياسةٌ دعت إليها نصوص القرآن والسنة، ووجَّهت المسلمين إلى الالتزام بها في مجتمعاتهم وبيئاتهم. وفي المقابل، اختار عددٌ من المحدثين طريق الصمت تجاه الحكام الظالمين، والانشغال بمهامهم العلمية الخاصة، مبتعدين عن مجالات الصراع السياسي، وقضوا حياتهم في العزلة، أما الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله، فقد كان يرى أن اتخاذ الصمت المطلق أمام ظلم الحكام منهجًا دائمًا قد يؤدي إلى تعطيل مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أنه لم يكن يرى الدخول في المواجهة دون مراعاة أصول الفقه والشريعة وتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا نافعًا. وكان الإمام أبو حنيفة رحمه الله يرى ضرورة إصلاح الأعمال الخاطئة وتغيير المنكر، لكنه في الوقت نفسه كان يسلك طريق الاعتدال والحكمة إذا أدى تغيير منكرٍ معينٍ إلى وقوع منكرٍ أكبر أو مفسدةٍ أعظم، وقد بنى موقفه على فهمه لآيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ومنهج الصحابة رضي الله عنهم، إذ إن النصوص تدل على أن تغيير المنكر لا يكون في كل حالٍ وبأي وسيلة، قال تعالى:
فكان منهج الإمام أبي حنيفة رحمه الله قائمًا على الجمع بين الثبات على مبادئ الحق والعدل، وبين مراعاة الحكمة والمصلحة الشرعية في مواجهة الواقع السياسي.
رأي الإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله، أحد أئمة الحنفية:
يرى الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله، وهو من كبار أئمة الحنفية، أن موقف الحنفية في هذه المسألة يقوم على جملةٍ من الأصول الشرعية، وقد بيّن ذلك بعد جمع الروايات المتعلقة بها، فقال: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا لم يترتب عليه أثرٌ، ولم يكن الإنسان قادرًا على مواجهة أهل المنكر، فإن أعظم ما يُخشى منه هو وقوع ضررٍ وفتنةٍ أكبر بسبب ذلك، وعندئذٍ يكون عمل الإنسان مقصورًا على إصلاح نفسه، وقد قال الله تعالى:
أي: يا أيها الذين آمنوا، الزموا إصلاح أنفسكم، فإن ضلال من ضلَّ لا يضركم إذا كنتم على طريق الهداية. وبعد دراسة هذه القضايا، يقول العلامة عبد القيوم حقاني: إن المقصود بكون أمر الإنسان متعلقًا بنفسه هو أن أصحاب الغيرة على إصلاح الأمة، مع المحافظة على وحدة الصف واجتماع الكلمة، ينبغي لهم أن يسعوا إلى إحياء الأمة والنهوض بها ضمن إطار القوة الإسلامية المنظمة، بدلًا من الدخول في أعمال تؤدي إلى مزيدٍ من الفوضى والضرر. وقد نُقل أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله، عند حديثه عن إبراهيم الصائغ الذي لم يصبر على مواجهة الأمراء الظالمين، وانتهى به الأمر إلى القتل بسبب دخوله في الصراعات السياسية، قال: «قُتِلَ وَلَمْ يُصْلِحْ لِلنَّاسِ أَمْرًا»[4]. أي: قُتل، لكنه لم يترك للناس مشروعًا إصلاحيًا مستمرًا أو أثرًا عمليًا يحقق الإصلاح المنشود.
المواقف السياسية للإمام أبي حنيفة رحمه الله:
وُلد الإمام أبو حنيفة رحمه الله في عهد ثاني خلفاء بني أمية، عبد الملك بن مروان، في فترةٍ كانت لا تزال تشهد آثار الصراع على انتقال السلطة، وما رافق ذلك من اضطراباتٍ بسبب ثورة عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما. وبعد القضاء على حركة الزبيريين، أسند عبد الملك بن مروان إدارة العراق والحجاز إلى الحجاج بن يوسف الثقفي، وفي تلك المرحلة كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله لا يزال في طفولته، وقد شهد ما وقع في العراق من أحداثٍ شديدةٍ في عهد الحجاج، وما اتصف به من قسوةٍ في التعامل مع الناس وبعض كبار الفقهاء، وقد تركت تلك الأوضاع أثرًا في تكوين موقفه المبكر تجاه سياسات الدولة الأموية. إضافةً إلى ذلك، فقد ورث الإمام أبو حنيفة رحمه الله محبة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من أسرته، كما أن ما تعرض له الموالي من بعض السياسات الأموية، وما ارتبط به من تعاطف الموالي مع أهل البيت، زاد من صلته بهم وميله إلى نصرتهم، وقد ذكر الإمام الذهبي رحمه الله في كتابه سير أعلام النبلاء جانبًا من احترام أبي حنيفة رحمه الله لأهل البيت، حيث رُوي أنه كان يجيب عن أسئلة أهل المدينة، وكان الناس حوله، فلما رأى الإمام جعفر الصادق رحمه الله قائمًا بين الناس قال: “لا يليق بي أن أجلس وأنت قائم”. وفي عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، أيد الإمام أبو حنيفة رحمه الله حركة زيد بن علي، وقد ذكرت بعض المصادر أنه كان له دورٌ في دعمه وتشجيع الناس على نصرته، وكان الإمام آنذاك يبلغ الثانية والأربعين من عمره، وقد تولى قيادة مدرسة أهل الرأي في الكوفة بعد وفاة شيخه حماد بن أبي سليمان. ولما علم الأمويون بموقف الإمام أبي حنيفة رحمه الله من ثورة زيد، ومحبته لأهل البيت، أراد والي الكوفة يزيد بن عمر بن هبيرة اختباره والاستفادة من مكانة كبار الفقهاء في وقت ضعف الدولة، فعرض عليه منصب القضاء، غير أن الإمام الأعظم أبا حنیفة رحمه الله رفض قبول المنصب، وبسبب هذا الرفض تعرض للضرب بالسياط يوميًا، مما اضطره إلى مغادرة الكوفة والهجرة إلى مكة، حيث بقي فيها حتى سنة 132هـ (750م)، وهي السنة التي قامت فيها الدولة العباسية. وفي بداية قيام الدولة العباسية كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله مؤيدًا لها، لكنه غيّر موقفه بعد أن رأى تكرار بعض الأساليب التي عارضها في العهد الأموي، وعندما قامت ثورة محمد بن عبد الله، المعروف بالنفس الزكية، وأخيه إبراهيم بن عبد الله من ذرية الحسن بن علي رضي الله عنهما، أعلن الإمام موقفًا واضحًا، مما أثار غضب الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور. فقد خرج النفس الزكية في المدينة، وأرسل أخاه إبراهيم إلى البصرة، فتمكن من السيطرة على البصرة والأهواز وفارس وواسط، ثم توجه إلى الكوفة، وبعد جهودٍ عسكريةٍ كبيرةٍ من العباسيين، تمكنوا في النهاية من القضاء على هذه الحركة. وقد دعم الإمام أبو حنيفة رحمه الله إبراهيم بن عبد الله بإرسال أربعة آلاف درهمٍ إليه، كما حاول منع قائد جيش المنصور، الحسن بن قحطبة، من قتاله، ولم يخفَ هذا الموقف عن أبي جعفر المنصور، فكان سببًا في تشدد موقفه تجاه الإمام الأعظم أبي حنیفة رحمه الله، ثم عرض عليه منصب القضاء، وتُظهر الروايات المتعلقة بحوار الإمام أبي حنيفة رحمه الله مع المنصور شجاعته وثباته، وانتقاده لبعض سياسات الدولة العباسية. وتذكر بعض الروايات أن الإمام الأعظم أبا حنیفة رحمه الله رفض قبول القضاء، فتعرض للسجن والضرب، ثم توفي رحمه الله في السجن.