بعد أن استعرضنا أدلة ثبوت البعث بعد الموت، وتبيّن لنا أن المعاد ثابت من جهة النقل، من آيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأمة، وأقوال العلماء، ومن جهة العقل أيضًا، من الأدلة العقلية والبراهين المنطقية، وبعد أن بيّنّا عوامل إنكاره، والأسباب التي تدفع بعض الناس إلى إنكار البعث بعد الموت؛ فمن المناسب أن نعرف حكم الذين ينكرون البعث بعد الموت ولا يقبلونه، مع وجود هذه الأدلة الواضحة والبيّنة والجلية، وما الحكم الذي يصدر في حقهم في ضوء آيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، والإجماع، وأقوال العلماء.
قضية المعاد؛ قضية لم تُحلَّ عند بعض الناس قط
كانت قضية البعث بعد الموت، لدى كثير من الفرق، منذ أن بعث الله تعالى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مشكلةً عقديةً. كان أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام يدعون الناس إلى الأعمال الصالحة، وينهونهم عن الأعمال السيئة، ويحذّرونهم من مؤاخذة الله تعالى بعد البعث وعند الحساب. قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[1]. إن الذين ينكرون المعاد يرون البعث بعد الموت، بعد بِلَى الأجزاء والذرات وفنائها، أمرًا بالغ الصعوبة، وقد غفلوا عن معجزة الحياة الأولى. وهؤلاء قد جهلوا طبيعة قدرة الله تعالى… وقضية البعث بعد الموت من مسائل العقيدة الإسلامية التي كان لها، في كل عصر وزمان وفي زمن دعوة كل نبي، مخالفون كثيرون، وأثارت جدلًا كبيرًا.[2] وليس إنكار البعث بعد الموت أمرًا ينكره بعض الناس اليوم ولا يؤمنون به، بل كان هذا الأمر موجودًا منذ القدم بين أناس لم يعرفوا الله، ولم يدركوا قدرته وكبرياءه وعظمته تعالى، أو أدركوا ذلك، لكنهم تظاهروا بالجهل به وتغافلوا عنه. وكان ذلك موجودًا من الدهريين المنكرين لله إلى مشركي قريش الذين نزلت في شأنهم آيات لا تُحصى، وقد حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة منهم، ومن المنكرين الذين يظهرون من بعدهم ويحملون ما ادّعاه أولئك واختلقوه. وكانت المشكلة الحقيقية لكفار قريش بعد عبادة الأصنام أنهم كانوا ينكرون البعث بعد الموت، ويزعمون أنه لا حياة بعد الموت، وأنه لا دليل على إمكان الإعادة مرةً أخرى. ومن هنا نرى في القرآن الكريم أن الردود على شبهاتهم توالت، وتوجّهت إليهم التحذيرات والإنذارات واحدًا تلو الآخر، وذُكرت لهم أنواع التهديد والوعيد، ومن أخطرها وقوع عذاب جهنم عليهم على الدوام، وإطعامهم من أمرِّ أنواع الشجر، وهو شجر الزقوم، فتغلي بطونهم بسببه، وتُصبُّ على رؤوسهم ألسنة اللهب فتذيبهم، ويتعرضون لأنواع الذل والإهانة والهوان، ثم يُتركون في النهاية على تلك الحال.[3]