المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله) (القسم الرابع والعشرون)
الحياة السياسية للإمام أبي حنيفة رحمه الله
الأوضاع السياسية في العالم الإسلامي في عهد الإمام أبي حنيفة رحمه الله
وُلد الإمام أبو حنيفة رحمه الله في فترة كانت فيها أجزاء من العالم الإسلامي تخضع لحكم بعض خلفاء بني أمية، الذين اتصف عهد بعضهم بالقسوة والاستبداد، ففي حادثة تاريخية مشهورة استُشهد الحسين رضي الله عنه وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند نهر الفرات، وهم في حالة من العطش، وفي حادثة أخرى عُرفت بوقعة الحَرَّة، تعرضت المدينة المنورة، التي كانت موطن إقامة النبي صلى الله عليه وسلم، للهجوم والنهب. كما استُشهد عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، حفيد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قرب بيت الله الحرام بعد أن قام نصرةً للحق والعدل، وفي تلك الفترة وصل إلى السلطة حكام جائرون مثل يزيد بن معاوية، وعبيد الله بن زياد، والحجاج بن يوسف، الذين مارسوا في مجال السياسة والحكم أنواعًا من القسوة والظلم.
أما مدينة الكوفة، التي كانت موطن ولادة الإمام أبي حنيفة رحمه الله ومكان إقامته، فقد كانت أوضاعها أشد سوءًا، فقد خيّمت على أهلها ظلال ظلم ابن زياد ثم الحجاج بن يوسف، وتعرض الناس للاضطهاد والقهر، وكانت هذه الظروف شديدة وقاسية إلى درجة أن شخصيات علمية وفكرية بارزة، مثل الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، والإمام الشعبي رحمهم الله، لم يجدوا أمام هذا الظلم والعنف إلا الابتعاد والصمت في كثير من الأحيان. وفي هذه المرحلة الخطيرة نشأ الإمام أبو حنيفة رحمه الله، وتكوّنت شخصيته السياسية والفكرية؛ فقد كانت فترة مليئة بالصراعات السياسية والاجتماعية، وكان العلماء والمفكرون أمام خيارين: الصمت أمام الحكام الظالمين أو اتخاذ موقف معارض منهم.
البيئة السياسية والاجتماعية وأثرها في التكوين الفكري والسياسي للإمام أبي حنيفة رحمه الله:
قضى الإمام أبو حنيفة رحمه الله خمسًا وعشرين سنةً من عمره في ظلِّ الخلافة الأموية، ثم قضى الثماني عشرة سنةً الباقيةَ في عهد الخلافة العباسية، وقد شهد ازدهار الدولة الأموية في أوج قوتها، ثم عاين ما أصابها من ضعفٍ وانحلال حتى سقوطها، فكان شاهدًا على تلك التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى، واكتسب من خلالها فهمًا عميقًا لمجريات عصره، ولا ريب في أن هذه التجارب قد تركت أثرًا بالغًا في تشكيل شخصيته الفكرية والسياسية. كما شهد الإمام أبو حنيفة رحمه الله مختلف مراحل قيام الدولة العباسية وتطورها، ابتداءً من المرحلة التي بدأ فيها بنو العباس نشاطهم السري، معتمدين على شبكةٍ من الدعاة والوفود الدعوية لمناهضة الحكم الأموي، وكانت تلك الدعوات تُعقد في الدور الخفيةِ، بعيدًا عن أعين ولاة الدولة الأموية ورجالها، وكان هدفها إسقاط الحكم الأموي وإقامة الخلافة العباسية مكانه، وبعد جهودٍ واسعة ومتواصلة، تحول ذلك النشاط إلى حركةٍ كبيرة، ثم نجح في نهاية المطاف في إسقاط الدولة الأموية، وإخضاع ديار الإسلام لسلطان الدولة العباسية، وكان الإمام أبو حنيفة رحمه الله شاهدًا قريبًا على هذه الأحداث، يتابع باهتمامٍ ودقةٍ ما كان يجري من تطورات سياسية واجتماعية في عصره.
ولا يمكن إنكار ما تركته هذه الأحداث الجسام من أثرٍ في شخصية الإمام أبي حنيفة رحمه الله الفكرية والسياسية، ومع أن المصادر التاريخية لم تُثبت انضمامه شخصيًا إلى أي حركةٍ أو ثورة، فإن آثاره وأقواله تدل على ميله إلى الحركات المطالبة بالعدل، كما تشير إلى أنه كان يؤيد الثورات العلوية في مواجهة الأمويين، بل وحتى في مواجهة العباسيين، ويُقدِّم لها الدعمَ الماديَّ والمعنويَّ.
وقد كان لهذه التجارب أثرٌ عميقٌ في شخصية الإمام أبي حنيفة رحمه الله، فلم تجعله فقيهًا عظيمًا فحسب، بل صاغت منه أيضًا مفكرًا سياسيًا واعيًا، شديد الحساسية تجاه قضايا العدالة الاجتماعية والإصلاح الشامل، ومناصرًا لكل رأيٍ أو مشروعٍ ينسجم مع المبادئ الأخلاقية والإنسانية التي جاء بها الإسلام.
الإمام أبو حنيفة رحمه الله في ظل التحولات السياسية بين الدولة الأموية والعباسية
عاش الإمام أبو حنيفة رحمه الله في مرحلةٍ تُعدُّ من أكثر المراحل تعقيدًا واضطرابًا في تاريخ الإسلام، إذ امتدت حياته خلال الفترة الانتقالية بين أفول دولة بني أمية وقيام الدولة العباسية، وقد اتسمت تلك الحقبة بكثرة الاضطرابات السياسية والتقلبات الاجتماعية، كما شهدت ممارساتٍ جائرةً من بعض الحكام، تركت آثارًا عميقةً في الأوضاع الدينية والاجتماعية.
وقد انعكس هذا الواقع المضطرب على المسيرة العلمية والاجتماعية للإمام أبي حنيفة رحمه الله، فأسهم في تكوين شخصيته وصقل مواقفه، حتى غدا من أبرز العلماء الذين وقفوا في وجه الظلم والطغيان، ودافعوا عن الحق والعدل بثباتٍ وشجاعة.
العصر الأموي وأوضاعه السياسية :
وصل بنو أمية إلى الحكم بعد عهد الخلافة الراشدة، ومع مرور الزمن ابتعدوا عن بعض المناهج التي سار عليها الخلفاء الأوائل، وقد قامت سياسات بني أمية في جانبٍ كبيرٍ منها على القوة والشدة، وشهد التاريخ خلال فترة حكمهم وقوع عددٍ من الأحداث الدامية والصراعات العنيفة مع مخالفيهم.
وكانت واقعة كربلاء، وما نتج عنها من استشهاد الحسين بن علي رضي الله عنهما وعددٍ من أصحابه وأهل بيته، من أكثر أحداث هذه المرحلة ألمًا، إذ أثارت مشاعر الغضب والحزن في أوساط المسلمين، وكذلك كانت واقعة الحرّة، حين دخل جيش يزيد إلى المدينة المنورة ووقعت أحداثٌ مؤلمةٌ انتهكت فيها حرمة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهلها، من الوقائع التي تُعدُّ من الأحداث الحزينة في التاريخ الإسلامي.
أوضاع الكوفة في عصر الإمام أبي حنيفة رحمه الله:
كانت الكوفة، مسقط رأس الإمام أبي حنيفة رحمه الله، مدينةً شهدت أحداثًا سياسيةً ومذهبيةً متتابعةً، حتى أصبحت مركزًا لحالةٍ من الاضطراب وعدم الاستقرار، وكان من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بالقسوة في تلك المرحلة عبيد الله بن زياد والحجاج بن يوسف، حيث اتسمت سياساتهما بالشدة، مما أدى إلى انتشار مشاعر السخط بين الناس، والحدِّ من مظاهر الاعتراض والمعارضة.
وقد أدت ممارساتهما الصارمة إلى ابتعاد عددٍ من الشخصيات البارزة والعلماء عن المشاركة العامة، كما شهدت الكوفة عددًا من الثورات والحركات المختلفة، كان كثيرٌ منها مرتبطًا بالاعتراض على سياسات بني أمية، غير أن تلك الحركات أُنهِيت سريعًا بسبب قوة السلطة وشدة تعاملها معها.
دور الإمام أبي حنيفة رحمه الله في مواجهة الظلم:
اختار الإمام أبو حنيفة رحمه الله، رغم ما أحاط به من الصعوبات والظروف القاسية المذكورة سابقًا، طريق المقاومة في مواجهة الظلم، فقد بذل جهودًا كبيرةً في ميادين العلم والفقه، فربّى تلاميذ نالوا مكانةً بارزةً، وقام بتدريسهم على أساس القيم الإسلامية ومبادئ العدل والإنصاف الشرعي. وكان الإمام أبو حنيفة رحمه الله، بوصفه فقيهًا، يولي أهميةً كبيرةً لحرية الفكر والاستقلال في الاجتهاد الفقهي، كما كان يقاوم الضغوط السياسية والرسمية، ولم يرضَ أن يكون أداةً في خدمة الظالمين، ومن ذلك أنه رفض تولي المناصب التي عرضتها عليه السلطة، وظل متمسكًا بموقفه رغم ما تعرض له من تهديدٍ وتعذيبٍ، وامتنع عن قبول أي مسؤولية حكومية. كما أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله، من خلال نشر مذهبه الفقهي، لم يقتصر دوره على تعليم الأحكام الدينية، بل أسهم بصورةٍ غير مباشرةٍ في ترسيخ مبادئ العدل والأخلاق والمطالبة بالإنصاف، فقد كانت فتاواه تميل إلى حفظ حقوق الناس وإقامة العدل، كما اعتمد منهج الاستدلال والاجتهاد في مواجهة مظاهر الاستبداد وتغليب مصالح السلطة على مبادئ الشريعة.
وخلاصة القول: إن منهجه في تعليم تلاميذه وتأسيس المدرسة الحنفية كان يمثل شكلًا من أشكال المقاومة الفكرية والثقافية للظلم الذي ساد في عصره.