إنَّ الآثارَ السیِّئَةَ للاستعمارِ هي في حقيقتها الأهدافُ والغاياتُ التي كانت الدولُ الاستعماريةُ تسعى إلى تحقيقها، ونظرًا إلى أنَّ هذه الدولَ قد نجحت في تحقيقِ كثيرٍ من أهدافِها، فيمكن ذكرُ ما يأتي من الآثار والنتائجِ السيئةِ للاستعمار:
1– تهميشُ الدينِ وأصولِه وأحكامِه وإبعادُه عن الحياةِ وعن نظامِ الحكمِ الإسلامي، وهو في الواقعِ عينُ فكرةِ العلمانيةِ القائمةِ على فصلِ الدينِ عن السياسة؛ إذ إنَّ الدولَ الإسلاميةَ اليومَ تتخلّى عن تطبيقِ كثيرٍ من الأحكامِ الشرعيةِ، ولا سيما الأحكامَ المتعلِّقةَ بنظامِ الحكمِ الإسلامي، والسياسةِ الشرعية، والحدودِ الإلهية، ومواجهةِ الغزوِ الفكريِّ والاستعماريِّ، وقد أُبعِدَت هذه السِّمةُ الدينيةُ المهمّةُ عن حياةِ المسلمين ونظامِ حكمِهم في كثيرٍ من بلادِ الإسلامِ وأمصارِه.
2- السيطرةُ على وسائلِ الإعلامِ ووسائلِ الاتصالِ الجماهيريِّ؛
تمكَّنَ المستعمرون، من خلال برامجهم واستثماراتهم، من السيطرةِ على وسائلِ الإعلامِ وسائلِ الاتصالِ الجماهيري، ونشرِ البرامجِ والخططِ الصوتيةِ والمرئيةِ والمكتوبةِ والبحثيةِ بما ينسجمُ مع أهدافِهم ومصالحِهم الاستعمارية. وقد أدّى هذا الأمرُ إلى أن أصبحت وسائلُ الإعلامِ تحملُ ثقافةً وتوجُّهاتٍ تختلفُ اختلافًا واضحًا وملحوظًا عن الثقافةِ والاتجاهاتِ الدينيةِ والوطنيةِ للبلدانِ المستعمَرة.
3- القضاءُ على الحركاتِ الإصلاحيةِ الدينيةِ ومواجهتُها؛
إنَّ أكثرَ ما يواجهُه المستعمرون اليومَ من صراعٍ ومقاومةٍ يكون من قِبَلِ أولئك الأفرادِ والمفكّرين الذين يسعونَ إلى هزيمةِ الاستعمارِ وإنهاءِ نفوذِه. وقد نجحَ المستعمرون في هذا المجالِ أيضًا، إذ استطاعوا، من خلالِ التهديدِ والترغيبِ، احتواءَ الحركاتِ الإصلاحيةِ وإبعادَها عن القيامِ بدورها الإيجابيِّ المؤثّر.
4- إلغاءُ القضاءِ الشرعيِّ والقضاءُ على المحاكمِ الشرعيةِ، وإحلالُ القوانينِ الوضعيةِ محلَّها؛
تشهدُ كثيرٌ من الدولِ الإسلاميةِ اليومَ امتناعَ المحاكمِ والهيئاتِ القضائيةِ عن تطبيقِ الشريعةِ الإسلاميةِ في العديدِ من القضايا والمجالات، مع اعتمادِ القوانينِ الوضعيةِ المستمدَّةِ من ثقافاتِ وتشريعاتِ الدولِ الاستعماريةِ والعملِ بها بدلًا من أحكامِ الشريعةِ الإسلامية.
5- نشرُ التفلُّتِ الأخلاقيِّ في المجتمعاتِ الإسلاميةِ، والقضاءُ على الحجابِ الشرعيِّ وآثارِه، والسعيُ إلى تصويرِ التزامِ المرأةِ باللباسِ الإسلاميِّ على أنَّه أمرٌ اختياريٌّ؛
ولعلَّ هذا يُعدُّ من أشدِّ الضرباتِ التي وجَّهها المستعمرون إلى المجتمعِ الإسلاميِّ وثقافتِه؛ إذ مكَّنهم نجاحُهم في هذا المجالِ من تنفيذِ كثيرٍ من خططِهم الاستعماريةِ وأهدافِهم دونَ مقاومةٍ تُذكَر، لما للمرأةِ من دورٍ محوريٍّ في بناءِ المجتمع، ولأنَّ انحرافَها يُفضي إلى فسادِ المجتمعِ بأسره.
6- نشرُ الدعوةِ إلى النصرانيةِ واليهوديةِ تحتَ غطاءِ المؤسساتِ الخيريةِ ومنظماتِ الإغاثةِ؛
يُعَدُّ انتشارُ المؤسساتِ الخيريةِ ومنظماتِ الإغاثةِ في البلدانِ المستعمَرةِ من أبرزِ الآثارِ العميقةِ للاستعمار. فهذه المؤسساتُ تُظهِرُ في الظاهرِ أنشطتَها على أنَّها أعمالٌ إنسانيةٌ وخيريةٌ، غيرَ أنَّها تستغلُّ حاجةَ الفقراءِ وضعفَهم، وتتخذُ من العملِ الخيريِّ وسيلةً للدعوةِ إلى النصرانيةِ واليهودية.
وقد يكونُ الهدفُ من هذه الدعوةِ حملَ الناسِ على اعتناقِ هاتينِ الديانتين، وقد تكونُ بقصدِ إيجادِ روابطِ المودَّةِ والولاءِ والتقاربِ بينَ الشعوبِ المستعمَرةِ والدولِ الاستعمارية.
7- إيجادُ بيئةٍ يسودُ فیها الفسادُ الإداريُّ، كالرشوةِ، والخيانةِ، والتقصيرِ في أداءِ الواجباتِ الوظيفيةِ، واعتيادِ الكسلِ والبطالةِ؛
ويرجعُ السببُ الرئيسُ في انتشارِ هذه المظاهرِ إلى أنَّ أساسَ هذه الإداراتِ قد قامَ على الفسادِ الإداريِّ ونهبِ الأموالِ والممتلكات، وأنَّ الدولَ الاستعماريةَ لم تكنْ يومًا داعمةً للشفافيةِ والنزاهةِ والإخلاصِ في أداءِ الأعمال.
8- انتشارُ العلاقاتِ غيرِ المشروعةِ وتهميشُ الزواجِ الشرعيِّ؛
وذلك لأنَّ الأفرادَ إذا تمكَّنوا من إشباعِ رغباتِهم وشهواتِهم الجنسيةِ بسهولةٍ ومن غيرِ أيِّ رادعٍ أو مانع، ضعفت لديهم دوافعُ الإقبالِ على الزواجِ الشرعيِّ، ولم يعودوا يرغبون في تحمُّلِ مسؤولياتِه والالتزامِ بواجباتِه.
9- إبرامُ الاتفاقياتِ التجاريةِ واتفاقياتِ التنقيبِ والاستكشافِ وفقًا لمصالحِ المستعمرين، ونهبُ ثرواتِ البلدانِ الإسلاميةِ؛ ولا شكَّ أنَّ الدولَ الاستعماريةَ قد طمعت في الثرواتِ التي وهبها اللهُ للبلدانِ الإسلامية، كالمعادنِ والثرواتِ الطبيعيةِ وسائرِ المواردِ، وقد استولت على هذه الخيراتِ ونهبتها في مراحلَ مختلفةٍ من تاريخِها. الاستعماريّ
10- تهيئةُ المجالِ للمنظماتِ والتياراتِ المنحرفةِ، كالمستشرقين، والماسونيةِ، والحركاتِ النسويةِ، والعلمانيين؛ وقد وجدت هذه التياراتُ في البلدانِ المستعمَرةِ بيئةً مواتيةً للنموِّ والانتشار، فتمكَّنت من توسيعِ نفوذِها، ومارست تأثيرًا سلبيًّا في الشعوبِ وفي مختلفِ فئاتِ المجتمع.
11- إثارةُ النعراتِ القوميةِ والوطنيةِ بينَ المسلمين، وإيجادُ التوتراتِ والنزاعاتِ القوميةِ؛
يُعَدُّ هذا الأمرُ من الآثارِ السلبيةِ والمدمِّرةِ للاستعمارِ في البلدانِ الإسلاميةِ؛ إذ إنَّ الدولَ الإسلاميةَ اليومَ تخوضُ منافساتٍ وصراعاتٍ فيما بينها بدوافعَ قوميةٍ ووطنيةٍ، وابتعدت عن الوحدةِ والتماسكِ على أساسِ الإسلامِ وكلمةِ التوحيد.
12- السيطرةُ على الاقتصادِ العالميِّ من قِبَلِ الدولِ الاستعماريةِ بهدفِ جعلِ البلدانِ المستعمَرةِ محتاجةً إليها؛ بحيثُ أصبحتِ الدولُ المستعمَرةُ تعتمدُ على الدولِ الاستعماريةِ في مجالاتٍ اقتصاديةٍ متعدِّدةٍ، وأصبحت فاقدةً جزءًا كبيراً من استقلالِها الاقتصاديِّ.
13- إيجادُ التوتراتِ بينَ الدولِ الإسلاميةِ وتشجيعُها وتحريضُها على الحروبِ والصراعاتِ؛
ويُرادُ من ذلك أيضًا تحقيقُ أهدافٍ استعماريةٍ، من أبرزِها تصريفُ الأسلحةِ والمعدّاتِ العسكريةِ التي تنتجُها الدولُ الاستعماريةُ، وإيجادُ الخلافاتِ والتناقضاتِ بينَ البلدانِ الإسلاميةِ.
14- القضاءُ على الفكرِ الجهاديِّ بينَ المسلمين، واتهامُ الحركاتِ الجهاديةِ والمجاهدين بالإرهابِ والتطرُّفِ؛ وقد أدّى هذا الأمرُ أيضًا إلى ابتعادِ المسلمين عن الفكرِ الجهاديِّ، وعن الشعورِ بمواجهةِ الكفار، وجعلِ هذا الأمرِ يبدو في نظرِهم شيئًا ثانويًّا قليلَ الأهميةِ.
15- نشرُ الإلحادِ واللادينيةِ، وإنشاءُ وتوسيعُ مراكزَ مهمّةٍ وأساسيةٍ لهذا الغرضِ بصورةٍ سرّيةٍ وعلنيةٍ؛
حيثُ انتشرت في كثيرٍ من البلدانِ الإسلاميةِ مراكزُ للتبشيرِ بالنصرانيةِ واليهوديةِ وغيرها من الأفكارِ والأديان، وتُنفَقُ في سبيلِ ذلك أموالٌ طائلةٌ وضخمةٌ.
وهذه كانت بعضُ الآثارِ والنتائجِ التي خلَّفها الاستعمارُ في البلدانِ المستعمَرة، وهذه الآثارُ قد تكونُ متنوِّعةً ومختلفةً ومتعدِّدةً.