الكاتب: أبو رائف
الاستعمار(القسم الرابع والثلاثون)
أهدافُ الاستعمارِ وغاياتُه
بعدَ الحديثِ عن أنواعِ الاستعمارِ وأقسامِه، وبيانِ ما جرَّه الاستعمارُ القديمُ والحديثُ من مآسٍ على البلدانِ المستعمَرة، التي يغلبُ أن تكونَ من البلادِ الإسلامية، ننتقلُ الآن إلى دراسةِ الأهدافِ والغاياتِ التي يسعى المستعمِرون إلى تحقيقِها، وتقويمِها وتحليلِها. والحقيقةُ أنَّ الاستعمارَ، قديمُه وحديثُه، يسعى إلى تحقيقِ أهدافٍ وغاياتٍ عديدةٍ وتطلعاتٍ كثيرةٍ، يمكنُ الإشارةُ إلى بعضِها فيما يأتي:
1 توسيعُ النفوذِ السياسيِّ في البلدانِ المستعمَرة:
لا شكَّ أنَّ الهدفَ الأساسيَّ للمستعمِرين هو التحكُّمُ في القرارِ السياسيِّ، وبسطُ نفوذِهم على النظامِ الحاكمِ، ومن ثَمَّ فرضُ هيمنتِهم على الشعوبِ المستعمَرة. ولا يزالُ هذا الهدفُ ظاهرًا بجلاءٍ في البلدانِ الواقعةِ تحتَ الاستعمارِ الفكريِّ؛ إذ إنَّ التشريعاتِ والقوانينَ، والسياساتِ الداخليةَ والخارجيةَ، والقيمَ الوطنيةَ، والعلاقاتِ الدوليةَ، وغيرَها، تُبنى في كثيرٍ من الأحيان على الأفكارِ التي صاغها المستعمِرون، وتنسجمُ مع مصالحِهم وتَوجُّهاتِهم.
2 القضاءُ على تعاليمِ الإسلامِ في أوساطِ المسلمين، وإنشاءُ الجامعاتِ والمؤسساتِ التعليميةِ وفقَ المعتقداتِ والأفكارِ الاستعماريةِ والغربيةِ:
عملَ المستعمِرون، من خلالِ التخطيطِ المحكمِ ووضعِ الخططِ الدقيقةِ البعيدةِ المدى، على استئصالِ التعاليمِ الإسلاميةِ، وإبعادِ الأجيالِ الجديدةِ من المسلمين عن دينِهم، كما أسَّسوا جامعاتٍ ومؤسساتٍ علميةً مؤثِّرةً في المجتمعاتِ الإسلاميةِ، تقومُ على رؤيتِهم وأفكارِهم، وتعملُ على ترسيخِ قيمِهم ومبادئِهم.
3 تنشئةُ الأجيالِ الإسلاميةِ على الأفكارِ والمناهجِ الغربيةِ:
ويُعَدُّ هذا الهدفُ نتيجةً مباشرةً للهدفِ السابق؛ إذ إنَّ إحكامَ السيطرةِ على المؤسساتِ التعليميةِ، وتحديدُ مسارِها الفكريِّ وفقَ الرؤيةِ الغربيةِ، يؤدِّي بطبيعةِ الحالِ إلى تأثُّرِ الطلابِ المسلمين بتلك الأفكارِ، وتكوينهم العلميُّ وفقَ المناهجِ التي يضعُها الغربُ.
4 – زرعُ الفرقةِ بين المسلمين، وتقسيمُهم إلى مؤيِّدين للاستعمارِ ومعارضين له:
يعملُ المستعمِرون على تصويرِ أنصارِهم على أنَّهم أصحابُ فكرٍ مستنيرٍ، ورؤيةٍ مستقبليةٍ، وثقافةٍ عاليةٍ، ويجعلونَ اتِّباعَهم مرادفًا للتقدُّمِ والتحضُّرِ. كما يُمكِّنونهم من وسائلِ الإعلامِ المختلفةِ؛ ليقوموا بحملاتٍ دعائيةٍ واسعةٍ تهدفُ إلى نشرِ الفكرِ الاستعماريِّ، وإظهاره بمظهرِ المشروعِ الحضاريِّ الشامل.
وفي المقابلِ، يصفُ المستعمِرون معارضيهم بأنَّهم متخلِّفون، ومتشدِّدون، وضيِّقو الأفق، وبعيدون عن العلمِ والتقنيةِ، ويعملون على تشويهِ سمعتِهم عبرَ مختلفِ وسائلِ الإعلام، ولا يكتفون بذلك، بل يزجُّون بكثيرٍ منهم في السجون، ويُعرِّضونهم للتعذيب، وربما يقتلونهم حتى ينالوا الشهادة.
5 القضاءُ على الحجابِ والعفّةِ الإسلاميین بين النساءِ المسلماتِ، ونشرُ الانحلالِ بين فئاتِ المجتمع:
يُعَدُّ هذا الهدفُ من أبرزِ الأهدافِ التي يسعى المستعمِرون إلى تحقيقِه، وقد سخَّروا لتحقيقِه إمكاناتٍ كبيرةً ومواردَ ضخمةً؛ لأنَّ للمرأةِ في المجتمعِ الإسلاميِّ مكانةً ودورًا خاصًّا، ولأنَّ عفَّتَها وحياءَها يُعَدّان من أصولِ المجتمعِ الإسلاميِّ وخصائصِه. ولكن إذا حُرِمَت المرأةُ من هذا الخُلُقِ الرفيعِ، وأُخرجت من بيتِها الذي هو موطنُها الأصليُّ، فإنَّ الفسادَ والانحلالَ سينتشرانِ في المجتمعِ، ويؤدِّي ذلك إلى انحرافِه وفسادِه.
6 إضعافُ الاقتصادِ في البلدانِ الإسلاميةِ، وتوسيعُ دائرةِ الفقرِ بين المسلمين:
ولا يزالُ معظمُ الفقرِ الموجودِ في العالمِ اليومَ منتشرًا بين المسلمينِ والبلدانِ الإسلاميةِ؛ إذ ترى الدولُ الاستعماريةُ أنَّ نجاحَها وتفوُّقَها يتحقَّقان عندما تبقى الدولُ الإسلاميةُ محتاجةً إليها، وتضطرَّ إلى اللجوءِ إليها لتوفيرِ احتياجاتِها الأساسيةِ ومتطلَّباتِها الضروريةِ، ومن ثمَّ تقبلُ المخطَّطاتِ الاستعماريةَ للمستعمِرين مقابلَ تلبيةِ حاجاتِها.
7 نهبُ ثرواتِ البلدانِ الإسلاميةِ ومواردِها الطبيعيةِ، وتسخيرُها لخدمةِ مصالحِ الدولِ الاستعمارية:
يُولي الاستعمارُ عنايةً واهتمامًا بالغًا بالثرواتِ الطبيعيةِ والمواردِ الوطنيةِ التي أنعمَ اللهُ بها على البلدانِ الإسلامية، وقد ثبتَ في مناسباتٍ عديدةٍ أنَّ كثيرًا من المواردِ الماليةِ والثرواتِ الباطنيةِ المهمَّةِ في البلدانِ المستعمَرةِ قد اكتشفَها المستعمِرون واستخرجوها، ثمَّ وُجِّهت واستُخدمت بما يحقِّقُ مصالحَهم وأهدافَهم.
8 إضعافُ الثقافةِ والهويةِ الإسلاميةِ لدى الشبابِ المسلمين:
يُعَدُّ الشبابُ من الفئاتِ المهمَّةِ في المجتمعِ الإسلاميِّ، ولهم دورٌ مؤثِّرٌ في معادلاتِ المجتمعات؛ فكلَّما ارتفعت نسبةُ الشبابِ في المجتمعِ، كانت قدرتُهم على العملِ والإنجازِ والنجاحِ أكبرَ. وقد أدركَ المستعمِرون هذه الحقيقةَ، فاهتمُّوا اهتمامًا كبيرًا باستقطابِ الشبابِ، ووضعوا خططًا وبرامجَ عميقةً تهدفُ إلى التأثيرِ في أفكارِهم، وإبعادِهم عن المبادئِ والتعاليمِ الدينيةِ والإسلاميةِ.
9 استهدافُ العلماءِ الربانيينَ بالقتلِ والنفيِ وتشويهِ سمعتِهم:
لقد سعى المستعمِرون دائمًا إلى القضاءِ على المفكِّرين والعلماءِ العلماءِ الربانيِّينَ من المسلمين الذين يعارضونَ الاستعمارَ وهيمنتَه على البلدانِ المستعمَرة، وإلى تشويهِ صورتِهم والنيلِ من مكانتِهم في المجتمع. وقد استخدموا في سبيلِ ذلك وسائلَ وأساليبَ متعدِّدةً، فكانوا بينَ حينٍ وآخرَ يلجؤونَ إلى سجنِهم أو نفيِهم أو قتلِهم، لتمهيدِ الطريقِ أمامَ تحقيقِ أهدافِهم الاستعماريةِ.
10 القضاءُ على لغةِ وثقافةِ البلدِ المستعمَرِ، وإحلالُ لغةِ وثقافةِ البلدِ المستعمِرِ محلَّها:
تبذلُ الدولُ الاستعماريةُ جهودًا كبيرةً للقضاءِ على لغةِ البلدانِ المستعمَرةِ، وتعملُ على دراسةِ أصولِها وقواعدِها وأساليبِها الكلاميةِ والكتابيةِ، ثمَّ إدخالِ التغييراتِ عليها بما يخدمُ مصالحَها. ويؤدِّي ذلك إلى أن تصبحَ الأجيالُ الجديدةُ غريبةً عن لغتِها الأصليةِ والوطنيةِ، وعن أساليبِ التعبيرِ الموروثةِ لديها. وهذه بعضُ الأهدافِ المختصرةِ التي تسعى إليها الدولُ الاستعماريةُ من خلالِ استعمارِها وهيمنتِها على البلدانِ المستعمَرةِ، وفي الحقيقةِ فإنَّ أهدافَ المستعمِرين وغاياتِهم كثيرةٌ لا تُحصى، ويمكنُ دراستُها والبحثُ فيها من خلالِ الكتبِ والمؤلفاتِ العلميةِ والبحثيةِ التي كتبها العلماءُ والمفكِّرونَ المسلمونَ.
يتبع
القسم السابق |القسم التالي
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version