الكاتب: المولوي عبد الرحيم (راشد)
المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله) (القسم التاسع عشر)
الخدمة التدريسية للإمام أبي حنيفة رحمه الله وتلاميذه البارزين (المتابع)
  1. عبد الله بن المبارك رحمه الله
ذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات بهذه الألفاظ: «هو الإمام الذي أُجمِع على جلالته وإمامته في كل باب، يُرجى بذكره نزول رحمة الله تعالى، وبمحبته نيل المغفرة». وقد بلغت منزلته في الحديث أن المحدّثين كانوا يلقبونه بـ «أمير المؤمنين في الحديث»، وقد قال أحد تلامیذه يومًا: «يا عالم المشرق»، وكان الإمام سفيان الثوري حاضرًا، فقال معترضًا: «ما هذا؟ أهو عالم المشرق فقط؟ بل هو عالم المشرق والمغرب». وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: «كتبتُ الحديث عن أربعة آلاف شيخ، ورويتُ عن ألفٍ منهم». وقد كان زهده وفضله وتقواه سببًا في خضوع الناس له، حتى إن كثيرًا من الملوك والسلاطين لم يكن لهم من الهيبة ما كان له، وقد دخل الخليفة هارون الرشيد مدينة الرقة، وكان عبد الله بن المبارك قد قدم إليها، فلما شاع خبر قدومه هرع الناس إليه من كل جانب، واشتد الزحام حتى سقطت النعال من شدة التدافع، واجتمع حوله الآلاف وهو يمشي بينهم. فأبصرت إحدى نساء قصر هارون الرشيد هذا المشهد من أعلى القصر، فسألت: ما هذا؟ فقيل لها: هذا عالم خراسان عبد الله بن المبارك، فقالت: «هذا هو الملك حقًا، أما ملك هارون الرشيد فلا يُؤتى إليه إلا بالسيوف والشرطة»[1]. وهو من أبرز تلاميذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وكان شديد الارتباط به، ويعترف بفضله، ويقول إن ما حصّله من العلم إنما هو من فيض أبي حنيفة وسفيان الثوري رحمهما الله، ومن قوله المشهور: «لولا أن الله تعالى أعانني بأبي حنيفة وسفيان، لكنت كسائر الناس». كان يسكن مدينة مَرْو، وُلد سنة 118هـ، وتوفي سنة 181هـ في منطقة هيت.
  1. يحيى بن زكريا بن أبي زائدة رحمه الله
هو محدِّثٌ مشهور، وقد ذكره العلَّامة الذهبي في كتابه «تذكرة الحفاظ»، إذ لم يذكر فيه إلا من كان يُلقَّب بـ«حافظ الحديث»، فجعل يحيى في عدادهم، بل قدَّم اسمه في تلك الطبقة، وكان علي بن المديني، وهو الشيخ المشهور للإمام البخاري، يقول: «انتهى العلم في زمان يحيى إليه». وقد رُويت له أحاديث كثيرة في الكتب الستة، وكان محدِّثًا وفقيهًا، وقد بلغ الغاية في هذين الفنين، ولذلك استهلَّ العلَّامة الذهبي ترجمته في «ميزان الاعتدال» بقوله: «أحد الفقهاء الكبار والمحدِّثين الأثبات». وكان يحيى من كبار تلامیذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ولازمه مدةً طويلة، حتى إن العلَّامة الذهبي لقَّبه في «تذكرة الحفاظ» بـ«صاحب أبي حنيفة»، كما شارك الإمام الأعظم في تدوين الفقه، وقد ذكر الإمام الطحاوي أنه «صحبه ثلاثين سنة»، ومع أن هذه المدة ليست ثابتةً على وجه الصحة، فإن الثابت أنه لازم الإمام أبا حنيفة زمنًا طويلًا، وانشغل معه بتدوين الفقه، ولا سيما في أعمال التحرير والكتابة، إذ كان ذلك من أبرز المهام التي اضطلع بها. وقد ذكر العلَّامة الذهبي في «ميزان الاعتدال»: «يظنُّ بعض الناس أن أول من صنَّف بالكوفة هو يحيى». ويظهر أن سبب هذا الظن هو أن يحيى كان يشتغل بالكتابة والتحرير، فتوهم بعض الناس أنه ألَّف كتابًا مستقلًّا. وقد تولَّى منصب القضاء في المدائن، وتوفي سنة 182هـ، وكان عمره ثلاثًا وستين سنة. [2]
  1. وكيع بن الجراح رحمه الله
يُعَدُّ وكيع بن الجراح رحمه الله من أركان فنِّ الحديث، وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يفتخر بأخذه العلم عنه؛ لأنه كان إذا روى عنه حديثًا بدأ بقوله: «هذا الحديث رويته عن رجلٍ لم ترَ أعينكم مثلَه». ويقول يحيى بن معين، الذي يُعَدُّ من أئمة علم الرجال وأركانه: «ما رأيتُ أحدًا أُقدِّمه على وكيع». وقد استعمل كثيرٌ من أئمة الحديث في الثناء عليه عباراتٍ عظيمة، وقد رُويت في صحيحي البخاري ومسلم أحاديث كثيرة من طريقه، وكانت رواياته وآراؤه في علم الحديث والرجال تُعَدُّ موثَّقةً وذاتَ قيمةٍ كبيرة. وكان وكيع بن الجراح رحمه الله من خواصِّ تلاميذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وقد سمع منه أحاديث كثيرة، وكان يقلِّد الإمام أبا حنيفة في مسائل كثيرة، ويفتي بما يوافق قوله، وقد كتب الخطيب البغدادي في «تاريخه»: «كان يفتي بقول أبي حنيفة، وكان قد سمع منه شيئًا كثيرًا»، كما أكَّد العلَّامة الذهبي ذلك في «تذكرة الحفاظ». وتوفي وكيع بن الجراح رحمه الله سنة 197هـ. [3]
  1. یزید بن هارون رحمه الله
هو إمامٌ مشهور في فنِّ الحديث، وكان كبار أئمة الحديث من تلاميذه؛ فكان الإمام أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وابن أبي شيبة، وغيرهم، يجلسون بين يديه للتلقِّي عنه، وقد كتب العلَّامة النووي في بيان كثرة تلاميذه: «لا يُحصَون». وقال يحيى بن أبي طالب: «كنتُ حاضرًا في حلقة من حلقات درسه مرةً، فكان الناس يقدِّرون عدد الحاضرين بسبعين ألفًا، يزيدون أو ينقصون». وكان الناس يضربون به المثل في كثرة حفظ الحديث، ومن كلامه: «أحفظ عشرين ألف حديث»، وكان علي بن المديني، شيخ الإمام البخاري، يقول: «ما رأيتُ أحدًا أحفظَ للحديث منه». وكان يزيد بن هارون رحمه الله من تلاميذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله في علم الحديث، وقد ذكر العلَّامة الذهبي اسمه في «تذكرة الحفاظ» ضمن رواة الحديث عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وقد لازم الإمام أبا حنيفة مدةً من الزمن، ولذلك عرف أخلاقه وعاداته معرفةً جيدةً، وكانت له فرصةٌ للوقوف على طريقته في تقرير الآراء الفقهية. ومن قوله: «صحبتُ خلقًا كثيرًا، فما وجدتُ أحدًا فوق أبي حنيفة رحمه الله». وُلِد سنة 117هـ، وتوفي سنة 206هـ. [4]
  1. حفص بن غياث رحمه الله
كان حفص بن غياث رحمه الله محدِّثًا كبيرًا، وقد وصفه الخطيب البغدادي بأنه كثير الحديث، وعدَّه العلَّامة الذهبي من حُفَّاظ الحديث، وروى عنه الإمام أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وغيرهما. وكان يتميَّز بخصلةٍ عظيمة، وهي أنه كان إذا روى عن أحدٍ حفظ مروياته، ولم يكن يحمل معه صحيفةً ولا كتابًا، بل كان يحدِّث من حفظه، وقد بلغ عدد الأحاديث التي رواها بهذه الطريقة ثلاثين أو أربعين ألف حديث. [5] وكان من كبار تلاميذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وكان من أكثر أصحابه قربًا منه وإخلاصًا له، وكان الإمام أبو حنيفة يقول في حق تلاميذه المقرَّبين: «أنتم سُكُونُ قلبي وذهابُ همِّي»، وقد قيلت هذه العبارة في حق حفص أيضًا. وظلَّ مدةً طويلةً بعيدًا عن الارتباط بالأمور الدنيوية، لكنه في آخر الأمر احتاج واضطرَّته الظروف، وفي تلك الفترة، أي سنة 177هـ، بلغ هارون الرشيدَ خبرُ مكانته وشهرته، فاستدعاه وولَّاه منصب القضاء، وكان حفص مثقلًا بالديون، فاضطرَّ إلى قبول ذلك. وكان القاضي أبو يوسف هو قاضي القضاة، وكانت أمور القضاء كلُّها بيده، ولما عيَّن هارون الرشيد حفصًا للقضاء ولم يكن أبو يوسف على علمٍ بذلك، شقَّ ذلك عليه، فقال للحسن بن زياد: «إذا رُفعت إلينا قضيةٌ من حكم حفص فانظر فيها بحثًا عن موضع ضعف»، فلما اطَّلع على حكم حفص، اعترف قائلًا: «إن مع حفص تأييدًا من الله». وُلِد سنة 117هـ، وأقام في الكوفة ثلاث عشرة سنة، ثم كان قاضيًا في بغداد سنتين، وتوفي سنة 196هـ. [6]
  1. أبو عاصم النبيل رحمه الله
اسمه ضحَّاك بن مخلد، وهو محدِّث مشهور، وتوجد رواياته بكثرة في «صحيح البخاري» و «صحیح مسلم» وغيرهما من كتب الحديث، وقد كتب العلَّامة الذهبي في «ميزان الاعتدال»: «اتفق الناس على توثيقه». وكان كثير الزهد والتواضع، وقد روى الإمام البخاري أن أبا عاصم قال: «منذ أن علمتُ أن الغيبة حرام، ما اغتبتُ أحدًا إلى يومي هذا»، وكان لقبه النَّبيل، ومعناه: المعزَّز أو الكريم الشريف. وذكر الخطيب البغدادي في «تاريخه» أنه سُئل: «أَسفيان الثوري أفقه أم أبو حنيفة؟» فقال: «إنما تكون الموازنة بين الأشياء المتشابهة، وأبو حنيفة رحمه الله هو الذي أسَّس علم الفقه، وأما سفيان فهو فقيه». وتوفي سنة 212هـ، وكان عمره تسعين سنة. [7]
  1. عبدالرزاق بن همام رحمه الله
بدأ العلامة الذهبي ذكر أحواله بهذه الألفاظ: «أحد الأعلام الثقات»، كان محدثًا كبيرًا مشهورًا، وقد امتلأ كتابا الإمام البخاري والإمام مسلم رحمهما الله من رواياته، وسُئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: هل رأيتَ في رواية الحديث أحدًا أكبر من عبدالرزاق؟ فأجاب: لا. كان كبار أئمة الحديث، مثل: الإمام سفيان بن عيينة، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والإمام أحمد بن حنبل رحمهم الله، من تلاميذه في فن الحديث. كان محبو الحديث يشدّون رحال السفر ويأتون إلى خدمته، حتى قال بعضهم: إن أحدًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأتِه الناس من الأماكن البعيدة مثلما أتوا عبدالرزاق. وله كتاب ضخم في الحديث موجود، يُعرف باسم «جامع عبدالرزاق»، وقد اعترف الإمام البخاري بأنه استفاد من ذلك الكتاب، وكتب العلامة الذهبي عنه في «ميزان الاعتدال»: «إنه خزانة من خزائن العلم». وكان عبدالرزاق رحمه الله تلميذًا للإمام أبي حنيفة رحمه الله في العلم والحديث، وقد ذُكر في مواضع مختلفة من كتاب «عقود الجمان» أنه لازم صحبة الإمام أبي حنيفة رحمه الله مدة طويلة؛ ولذلك توجد في الكتب أقوال كثيرة له عن أخلاق الإمام وعاداته، ومن أقواله: «ما رأيت أحدًا أكثر حِلْمًا من أبي حنيفة رحمه الله تعالى». وُلِد سنة 126 هـ، وتُوفِّي سنة 211 هـ. [8]
  1. داود الطائي رحمه الله
لقد منَّ الله جل جلاله عليه بحُسنٍ عجيب، ويعدّه الصوفيون مرشدًا كاملًا، وقد كُتب له مقام رفيع في الروايات، وقد اعترف الفقهاء، ولا سيما الفقهاء الحنفية، بتفقهه واجتهاده، وقال المحدثون فيه: «ثقة بلا نزاع»، والحقيقة أنه كان مستحقًا لجميع الألقاب التي تُطلق على أمثاله، وكان محارب بن دثار، وهو من المحدثين المشهورين، يقول: «لو كان داود في الأمم السابقة، لذكر الله عز وجل قصته في القرآن العظيم». كان من أشهر تلاميذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وقد ذكر الخطيب البغدادي، وابن خلكان، والعلامة الذهبي، وغيرهم من المؤرخين، عند ترجمتهم لحياته، أخذه العلم عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله على وجه الخصوص، وكان أيضًا شريكًا مع الإمام رحمه الله في تدوين الفقه، وكان عضوًا مكرمًا في مجلسه. تُوفِّي سنة 160 هـ.[9] ومن غير هؤلاء الأعلام، هناك محدثون كثيرون آخرون كانوا من تلاميذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله، مثل: فضل بن دُكين، وحمزة بن حبيب الزيات، وإبراهيم بن طهمان، وسعيد بن أوس، وعمر بن ميمون، وفضل بن موسى، وغيرهم، ولكننا ذكرنا فقط من يُسمَّون بالتلاميذ الخاصين، وهم الذين لازموا الإمام أبا حنيفة رحمه الله مدة طويلة وانتفعوا بصحبته.
يتبع…
القسم السابق|القسم التالي
[1] تهذيب التهذيب، لحافظ ابن حجر
[2] تاريخ ابن خلكان، ترجمة عبد الله بن المبارك.
[3] تهذيب الأسماء واللغات، للعلَّامة النووي.
[4] تهذيب الأسماء واللغات، للعلَّامة النووي.
[5]  میزان الاعتدال
[6] الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية.
[7] الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية.
[8] میزان الاعتدال
[9] تاریخ ابن خلکان
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version