المقتدا (الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله) (القسم الثامن عشر)
الخدمة التدريسية للإمام أبي حنيفة رحمه الله وتلاميذه البارزين
الحمد لله، كتب على نفسه الرحمة، وأفاض على الخلائق سوابغَ النعمة، ودعا إلى الإسلام، فخصَّ من شاء بالهداية والتوفيق منَّةً منه وفضلًا، وأقام الحجة على من خالف حكمةً منه وعدلًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةَ عبده، وابنِ عبده، وابنِ أمَته، ومن لا غنى له طرفةَ عينٍ عن فضله ورحمته، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه وخليلُه، ورحمةُ الله للعالمين، وقدوةُ العاملين، ومحجةُ السالكين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله السادة الطاهرين، وعلى أصحابه الغرِّ الميامين، وعلى التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أيها القراء الكرام! إن من أعظم المسؤوليات في الكتابة والوعظ الحديثُ عن سير أسلافنا؛ لأنهم كانوا رجالًا عظامًا، لا يمكن الإحاطة بمآثرهم في بضعة أسطر، وينبغي أن تُستعمل في حقهم ألفاظٌ وعباراتٌ تليق بمكانتهم الرفيعة، وكل ذلك لا يكون إلا بعلمٍ راسخ، وفهمٍ تام، مع الالتزام غاية الحيطة والحذر، والمحافظة على كمال الأدب في الحديث عنهم.ومع ذلك، ينبغي للمؤلفین والخطباء أن يولوا عنايةً فائقةً بسير السلف، وأن يبيّنوا مختلف جوانب حياتهم، حتى تنتفع الأجيال القادمة ببركات هؤلاء الأعلام، وتسير في حياتها على نهجهم، مقتفيةً آثارهم. ومن بین أولئك الأسلاف المشهورين الذين قدّموا خدماتٍ جليلةً للإسلام ولأمة محمد صلی الله علیه وسلم الإمامُ النعمان بن ثابت رحمه الله، المشهور بين العلماء والعامة بأبي حنيفةرحمه الله، ويُلقَّب أيضًا بالإمام الأعظم؛ تعظيمًا لشأنه، وتقديرًا لمكانته، وهو ابنُ رجلٍ صالحٍ اسمه ثابت، وُلِد بالكوفة سنة ثمانين للهجرة (80هـ)، وتوفي سنة مائةٍ وخمسين للهجرة (150هـ)، ودُفن ببغداد. ولو أردنا الحديث عن جميع جوانب حياة هذا البحر الزاخر بالعلم، لاحتجنا إلى مؤلفاتٍ كثيرة، وأوقاتٍ طويلة، غير أنني أود أن أقتصر على بيان جانبٍ واحدٍ من سيرته، وهو خدمته للتدريس، مع التعريف بأبرز تلاميذه الذين تخرّجوا على يديه.
أولًا: خدمته في مجال التدريس
لما كانت الكوفة في عصر الإمام أبي حنيفة رحمه الله مركزًا للعلم، وموطنًا لكثيرٍ من العلماء، وكان يقيم فيها عددٌ كبيرٌ من كبار التابعين، كان لذلك أثرٌ بالغٌ في تكوينه العلمي، وفي هذا السياق، سُئل الإمام أبو حنيفة رحمه الله: من أين حصلتَ على هذا القدر العظيم من الفقه؟
فأجاب رحمه الله:
«كنتُ أعيش في معدن العلم والفقه، وكنتُ أواظب على مجالسة أهله، ومن أشهر الفقهاء الذين انتفعتُ بعلمهم كثيرًا الإمام حماد رحمه الله.»
ولما تُوفي حماد بن أبي سليمان رحمه الله سنة 120هـ، شُغل تلاميذه بمن سيخلف شيخهم في مجلس التدريس، وكان أول من جلس مكانه ابنه، غير أنه كان أميل إلى الأدب واللغة منه إلى الفقه، ثم آل الأمر إلى موسى بن كثير؛ لأنه كان أكبر تلامیذ حماد سنًّا وأكثرهم تجربة، وإن لم يكن أفقههم، إلا أنه كان قد حضر مجالس علمية كثيرة، وكانت له مكانةٌ وتأثيرٌ بين الناس.
واستمر في التدريس بضعة أيام، ثم خرج إلى الحج، فاجتمع رأي عامة الناس وتلامیذ الإمام حماد رحمه الله وأصحابه على أن يتولى هذا المنصب الجليل الإمامُ أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله، فجاؤوا إليه وقالوا: «يا أبا حنيفة رحمه الله، اجلس؛ فأنت أحقُّ الناس بأن تكون خليفةَ أستاذك الجليل حماد رحمه الله». فقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: «أجلسُ بشرط أن يضمن لي عشرةٌ منكم أنهم يلازمونني سنةً كاملة». فقبلوا ذلك، ووفَوا بما التزموا به. ولما تولّى الإمام أبو حنيفة رحمه الله هذا المنصب الجليل وهو في سنِّ الأربعين، تفرّغ له ليلًا ونهارًا، وجعل همه خدمة العلم، وسعى جاهدًا في أن يسدّ الفراغ الذي خلّفه شيخه، وأن يؤدي المسؤولية الملقاة على عاتقه على الوجه الأكمل، وبفضل هذا الإخلاص، عاد بعض تلاميذ الشيخ حماد رحمه الله، فجلسوا في مجلسه مع تلاميذ جدد، فازداد مجلسه اتساعًا وازدهارًا. وقد اشتهر تدريس الإمام أبي حنيفة رحمه الله حتى بلغ الآفاق، فكان الطلاب يفدون إليه من مختلف البلاد، كما كان عامة الناس يقصدونه لعرض مسائلهم الشرعية، بل إن بعض شيوخه، مثل مِسعَر بن كِدام والأعمش وغيرهما، كانوا يرجعون إليه ويستفيدون من علمه. ولم يبقَ جزءٌ من العالم الإسلامي – إلا ما ندر – إلا وبلغته بركة صحبته والأخذ عنه، وتعذّر حصر البلاد التي وفد منها طلابه لكثرتها، لكن من أبرزها: مكة المكرمة، المدينة المنورة، اليمامة، البحرين، بغداد، الأهواز، كرمان، أصفهان، حلوان، أسترآباد، همدان، نهاوند، الري، قومس، دامغان، طبرستان، جرجان، نيسابور، سرخس، نساء، بخارى، سمرقند، جُزَج، صنعاء، ترمذ، هرات، نهستار، الزم، خوارزم، سجستان، المدائن، مصيصة، وحمص. وكان الإمام أبو حنيفة رحمه الله يحظى أيضًا بتكريمٍ عظيمٍ من الأمراء والأغنياء، وكانت له منزلة رفيعة في مجالس المسؤولين، حيث كان يُذكر اسمه بإجلالٍ وتوقير، وازدادت مكانته يومًا بعد يوم، حتى أُسندت إليه في المجالس الكبرى والدوائر العلمية كثيرٌ من الأقوال والآراء، ونُسبت إليه الفتاوى والأحكام. ومع مرور الوقت، اتسعت حلقة تدريس الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ولم يكن لها نظيرٌ في تلك المنطقة، وقد استمر في هذا المنصب المبارك نحو ثلاثين عامًا، خرّج خلالها طلابًا عجز التاريخ عن الإتيان بمثلهم في خدمة العلم وبناء الأمة[1].
منهجه في تدريس الفقه:
كان منهج الإمام أبي حنيفة رحمه الله في تحقيق المسائل وإثباتها قائمًا على الشورى، إذ كان يعرض المسائل على أصحابه وتلامیذه، ولا يقتصر على رأيه وحده، فكان يطرح المسألة أولًا، ثم يذكر ما لديه من علمٍ واجتهاد، ثم يستمع إلى آراء أصحابه وتلامیذه باهتمامٍ وإنصاتٍ تام. وقد كانت بعض المسائل تستغرق مناقشتها شهرًا أو أكثر، حتى یُستقر علی رأيٍ متفقٍ عليه، فإذا تم الاتفاق، قام أبو يوسف رحمه الله بتدوينها وضبطها في أصول الفقه وحفظها. وكان إذا أشكلت على الإمام أبي حنيفة رحمه الله مسألةٌ من المسائل، ولم يتبين له فيها رأيٌ واضح، قال لأصحابه وتلامیذه: «إنما ذلك من كثرة ذنوبي». فيبادر إلى الاستغفار، وقد يقوم أحيانًا فيشرع في الصلاة، فلا يلبث أن يفتح الله عليه فيها، فيتضح له وجهُ المسألة ويظهر له حلُّها. وكان يقول: «كنتُ أرجو أن تُغفر ذنوبي». فلما بلغ هذا الكلام إلى القاضي عياض رحمه الله، بكى كثيرًا وقال: «هذا بسبب قلة ذنوب الإمام رحمه الله، وهو أمر لا يطّلع عليه أحد». وكما سبق ذكره، فقد حظي كثيرٌ من كبار علماء الأمة الإسلامية بشرف الجلوس في حلقات الإمام أبي حنيفة رحمه الله والأخذ عنه، والآن نود أن نذكر بإيجاز بعضًا من أشهر تلامیذه، فنبدأ بذكر تلامیذه المحدّثين، ثم نتبعهم بذكر تلامیذه الفقهاء.
أولًا: تلاميذه المحدّثين
يحيى بن سعيد القطان رحمه الله
بدأت مدرسة علم الرجال على يده، فقد ذكر الإمام الذهبي في مقدمة كتاب ميزان الاعتدال أن أول من كتب في علم الرجال هو يحيى بن سعيد القطان، ثم جاء بعده تلامیذه: يحيى بن معين، وعلي بن المديني، والإمام أحمد بن حنبل، وعمرو بن علي الفلاس، وأبو خيثمة رحمهم الله، فتكلّموا في هذا الفن ووسّعوا أبوابه. ثم جاء بعدهم تلامیذهم، ومنهم: الإمام البخاري والإمام مسلم، حتى بلغ شأن هذا العلم مبلغًا عظيمًا، وكان إذا جلس في حلقة الدرس قام له الإمام أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وغيرهما إجلالًا له، وكانوا يعرضون عليه مسائل الحديث للتحقيق، ويلازمونه في مجلسه من صلاة العصر إلى صلاة المغرب. وقد بلغ من دقته في نقد الرواة وتمييزهم أن أئمة الحديث كانوا يقولون: «إذا ترك يحيى الرجل تركناه». ومع هذا الفضل والمنزلة العلمية الكبيرة، كان كثير الجلوس في حلقة الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ويعتز بتلمذته عليه، وفي زمنه لم يكن التعصب المذهبي قد شاع بعد، ومع ذلك كان يأخذ بآراء الإمام أبي حنيفة في كثير من المسائل، حتى قال بنفسه: «قد أخذنا بأكثر أقواله»، أي أخذنا بكثير من أقوال الإمام أبي حنيفة رحمه الله. وقال الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ عند ترجمة وكيع بن الجراح: إنه كان يفتي بقول أبي حنيفة، وكذلك كان يحيى القطان يفتي بقوله أيضًا.