الكاتب: أبو رائف
الاستعمار(القسم التاسع والعشرون)
 
تغييرُ أسلوب الحیاة الاجتماعیة في أفغانستان:
لكلِّ قومٍ وأمَّةٍ في هذا العالم ثقافتُه الخاصة، وأسلوبُه المميَّز في الحياة الاجتماعية، وله سماتٌ وحیدةٌ تُمثِّل هويتَه الاجتماعية وتُعرِّف به بين الأمم. الأمم التي تتبع دیناً أو تعتنق عقيدةً ما تحرص دائمًا على المحافظةِ على شخصيتِها الوطنية، وتسعى إلى أن تبقى مستقلةً عن غيرِها، وألَّا تذوب في أمةٍ أخرى. فإذا فقدت جماعةُ من أمةٍ لباسَها التقليدي، وثقافتَها، وسائرَ خصائصها المميِّزة، فإنه مهما بلغ من الوعي، وارتقى في ميادين العلم، وتقدَّم في الجوانبِ الماديةِ لا يُنظر إليها على أنها أمةٌ مستقلةٌ ذاتُ هويةٍ قائمةٍ بذاتها. إنَّ الثقافةَ، وأسلوبَ الحياة، واللباس، والعادات، والأعراف، والاحتفالات، وإحياءَ المناسبات والأيام الخاصةِ لدى كلِّ قوم، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بدينه، ومعتقداتِه، وأخلاقِه، وأصالتِه التاريخية، وبيئتِه الجغرافية. وإنَّ التخلِّي عن هذه الأرکان ليس إلا ابتعاداً عن الذات، وانفصالًا عن قيم الأمةِ وهويتِها الأصيلة. وللمسلمين دينُهم وشريعتُهم، ولهم تعاليمُ وأحكامٌ خاصةٌ تنظم شؤون حياتهم الفردية والاجتماعية والثقافية. وإنَّ المعيارَ في الحكم على الأفعالِ والتصرفات بالصوابِ أو الخطأ في الثقافة الإسلامية هو هذه التعاليم والأحكام الشرعية؛ فهي المرجعُ الأعلى، والكلمةُ الفصل، والفيصلُ في الحسم القضايا بين المسلمين. وقد أدرك الغربيون کمالَ الأحكام الإسلامية واستيعابَها لجميع جوانبِ الحياة الاجتماعية للمسلمين، فبذلوا جهودًا جادةً لإبعاد المسلمين عن هذه التعاليم والأحكام. ویتجسدُ هدفُهم الأساسي في تغيير نمط الحياة الاجتماعية والثقافية للمجتمع الإسلامي، وصرفه عن مقوماته الدينية والحضارية. إنَّ هذا الهدفَ الكبيرَ لهؤلاء كانت له عواقبُ خطيرةٌ وغيرُ قابلةٍ للاصلاحٍ بالنسبة إلى الشعوبِ المُستعمَرة، وفي الوقت نفسه كان مثمرًا ومفيدًا للمستعمرين أنفسهم، إذ مكَّنهم من تحقيق أهدافهم وخططهم وتنفيذها في المجتمعات المُستعمَرة.
وقد كتب الدكتور «حبنكة الميداني» في بيانِ أسلوبِ المستعمرين في تغييرِ الحياةِ الاجتماعيةِ للمسلمين يقول: إنَّ من وسائلِ الحرب غير المسلحة إفسادَ الأخلاق في المجتمع الإسلامي، وقد اكتشف الأعداء المحاربون طريقَينِ لإفساد أخلاق الشعوب وإنزالها من قمةِ الكمالِ الإنساني إلى السقوطِ والنقص:
1- تحويلُ المفاهيمِ والحقائقِ الأخلاقيةِ إلى أداةٍ للعبثِ والاستهانة؛
2- الترويجُ للمجتمعات التي تسودها الأخلاق الفاسدة وتعميقُ أثرها وانتشارُها.
وقد تجلّى تحويلُ المفاهيمِ الأخلاقيةِ إلى أداة عبثٍ في أن اعتمادهم أصبح قائمًا على تمجيد اللذةِ الفرديةِ وإباحة كل ما يحقق هذا الهدف، سواء أكان ذلك يضرّ بجسم الإنسان أو عقله، أو كان مخالفًا لأوامر الله تعالى وتوجيهاته. وقد يكونُ الترویجُ أيضًا للمجتمعات الملوَّثة بالمفاسد الأخلاقية والسلوكية من أبلغِ الوسائل في الإفساد العملي، ولذلك تلجأ جيوشُ الحرب الفكرية إلى هذه الطريقة في إفساد أخلاق المسلمين؛ لأنَّ الثابتَ والمجرَّبَ أنَّ الإنسانَ بطبيعته قابلٌ للتغيّرِ والتحوّل، ومتأثِّرٌ بالبيئة والظروف الاجتماعية التي يعيش فيها، ولا بدَّ من قدرٍ من التأثير المتبادل بين الفرد والمجتمع الذي ينتمي إليه. ولهذا، إذا وُضع فردٌ صالحٌ متّقٍ في مجتمعٍ يغلب عليه الفسادُ والانحلالُ والمادية، ولا يعرف أهله في حياتهم إلا الانحرافات الأخلاقية وألوان السلوك الفاسد، فإنَّ ما سيطرأ على هذا الفرد الصالح هو تغيّرٌ تدريجيٌّ وتحولٌ متدرّجٌ يحصل عبر مراحل متعددة.
یتبع…
القسم السابق|القسم التالي
 
 
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version