الكاتب: عبید الله النیمروزي

سيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله

(الجزء الرابع)

 

ميزات نورالدين وصفاته
إن المؤرخين المسلمين ذكروا عدلَ السلطان نور الدين، ودينَه، وتقواه، وحسنَ تنظيمه، وشرفَ نفسه، وخلقه الحسن، وشغفه للجهاد، فكان كما يدل عليه اسمه محمودًا عند الجميع،.وقد كتب العالِم المعاصر ابن الجوزي عنه في تاريخه المشهور «المنتظم»: (اشتغل نور الدين بالجهاد في حدود الشمال، وحرر أكثر من خمسين مدينة من سيطرة الكفار، وكانت سيرته أفضل من أكثر السلاطين والحكام، وأصبحت طرق البلاد آمنة، فمحاسنه كثيرة، وكان مطيعاً تماماً لأوامر الخلافة في بغداد، ويعدّ نفسه مكلّفاً بذلك، وألغى قبل وفاته، جميع الضرائب والمداخيل المحرمة وغير الجائزة، وكان في طبعه البساطة والتواضع، وكان يحب العلماء وأهل الدين ويصادقهم).
وكتب ابن خلّكان، المشهور بدقته التاريخية وتحقيقه وبيانه للحقائق: «كان (السلطان نور الدين) رجلاً منصفًا، زاهدًا، عابدًا تقيًا، سلطانًا مطيعًا للشرع، يميل كثيرًا إلى أهل الخير، حريصًا على الجهاد في سبيل الله، كثيرَ الصدقات والإنفاق، أنشأ في جميع مدن الشام الكبرى العديد من المدارس، بحيث يصعب إحصاء محاسنه وآثاره.»
وكتب المؤرخ المعروف ابن الأثير الجزري عن السلطان نور الدين: «لقد قرأتُ سِيَر الملوك السابقين، فما رأيت بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحداً أفضل وأكمل في السيرة والعدالة من نور الدين.»
كان عمر ابن الأثير أربع عشرة سنة،عند وفاة نور الدين، ولذلك فإن روايته وشهادته تحظى بأهمية كبيرة. وقد أضاف عند ذكر سيرة السلطان الراحل وأخلاقه: «كان ينفق على معيشته من دخل أرض اشتراها من حصته في الغنيمة»
وذات يوم، شكت زوجته من الفقر والعوز، فأعطاها ثلاث حوانيت كان يملكها في حمص، وكان دخلها السنوي قرابة عشرين دينارًا. فلما قالت له إن هذا لا يكفي، أجابها: «ليس لي غير هذا، وما ترينه بين يديّ هو مال المسلمين، وأنا أمين عليه وخازن له، ولا يمكنني لأجل رضاك أن أشتري لنفسي جهنم بخيانة هذه الأمانة»، وكان السلطان نور الدين كثير العبادة في الليل، وله أوقات محددة للذكر والورد، وكان عالماً بمذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، لكنه لم يكن متعصباً. قرأ الحديث الشريف وأخذ يدرّسه بنيّة الأجر والثواب، وكان يعطي طلابه السند والإجازة بالتدريس. وكان من شدّة عدله وإنصافه أنه لم يُبقِ في دولته الواسعة أيّ مراكز جمارك أو دوائر ضرائب، فألغى الجمارك في مصر والشام والجزيرة وموصل، وكان في غاية الأدب مع الشريعة الإسلامية، ملتزمًا التزامًا كاملًا في تنفيذ أحكامها.
تقدَّم رجلٌ مرة بشكوى ضدَّه إلى القاضي، فقرَّر السلطان الحضور إلى مجلس القاضي، لكن قبل أن يدخل أرسل إليه رسالة قال فيها: «سآتي إلى مجلسك، لكن لا ينبغي لك أن تميزني أو تراعي منزلتي» واتفق أن القضية انتهت لصالحه، فحُكم على الخصم.
ولكن بعد صدور الحكم، سلَّم السلطان الحق الذي له بنفسه إلى الشاكي، وقال: «كنتُ منذ البداية قد قررتُ أن أتنازل عن حقي، لكني خشيتُ إن لم أحضر إلى مجلس القاضي أن يُظنّ بي الكِبْر والغرور، ولذلك حضرتُ للمحاكمة، ثم أُعلن الآن التنازل عن حقي علنًا، كما كنتُ قد نويتُ ذلك في البداية».
أنشأ بناءً مستقلًا للقضاء، ليكون القاضي حاضرًا دائمًا للنظر في قضايا الناس والفصل في مظالمهم. وكان يُقيم العدل، ولو كان المدّعي يهوديًّا أو كافرًا آخر، وكان يُعاقب الظالم على ظلمه، ولو كان المظلوم ابنَه أو قائدًا عسكريًّا كبيرًا أو حاكمًا من حكّامه، ولم يكن له مثيل في الشجاعة، حيث في الحروب، كان يحمل معه قوسين وسهمين وحزامي ذخيرة، فقال له أحدهم: «أقسم عليك بالله، لا تُهلك نفسك، فتُعرّض الإسلام لمصيبة؛ فإنك قائد الأمة، فاحفظ نفسك»، فأجابه قائلًا: «من هو محمود حتى يُقال له مثل هذا؟! من كان يحفظ الدولة والإسلام قبلي؟! إنما الحافظ هو الله، لا إله إلا هو».
كان يُكرم العلماءَ وأهلَ الدِّين، ويقف لهم عند حضورهم، ويُجلسهم بجانبه، ويُحادثهم ببساطة وتواضعٍ دون تكلف، ولا يُخالفهم في أمرٍ شرعيّ، وكان يكتب الرسائل بيده وبقلمه، ومع هذا التواضع وكسر النفس، كانت له هيبةٌ عظيمةٌ ورُعبٌ شديدٌ في القلوب، والحق أن هذا البحث لا يستطيع أن يُوفي مناقبه ومحاسنه حقّها، ويحتاج الأمر إلى دفاترَ أخرى عديدة لذكر فضائله.
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version