الكاتب: عبیدالله النیمروزي

سيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله

(الجزء السادس)

 

في الجزء الأول من هذا البحث ذكرنا أن الجزء الأول من هذه المواضيع جاء كمقدمة وتمهيد ذهني لفهم أفضل لسيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله. وفي هذا الجزء نريد أن نتعرف على سيرة السلطان وصفاته وسياسته الفردية. فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.
السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله 
كان اسم والد السلطان صلاح الدين هو أيوب، ولهذا السبب يُسمّى هو وأسرته بـ«الأيوبيين»، فلا يُفهم من هذا أنه من نسل أبي أيوب الأنصاري، بل إن السلطان وأسرته من العرق الكردي، وهذا العرق لا يزال موجودًا في دول العراق والشام وتركيا وإيران.
كان والداه وأسرته من سكان قرية تُدعى «دوين» في محافظة أذربيجان الشرقية بإيران. وكانوا من قبيلة «روادية»، وهي فرع من قبيلة «الهذانية» من العرق الكردي.
ويُثبت أن جده «شاذي» وولديه أيوب نجم الدين وشيركوه أسد الدين قد انتقلوا إلى بغداد وسكنوا في تكريت، وتُوفي جده شاذي هناك.
وبعد أيام، التحق ابناه بفرقة الحرس التابعة لمجاهد الدين بهروز، الذي كان قائدًا في المنطقة من قِبل السلطان مسعود بن غياث الدين محمد بن ملكشاه السلجوقي. ثم التحق نجم الدين أيوب بخدمة عماد الدين زنكي وأصبح أحد حراس قلعة بعلبك.
ثم لا شك إن وجود صلاح الدين الأيوبي بنفسه معجزة من معجزات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ودليل واضح على صدق الإسلام وخلوده. وُلد الأيوبي في بيت متوسط الحال شريف، وتربّى في أسرته على طريقة عسكرية.
وقبل فتح مصر ودخوله ميدان المواجهة مع الصليبيين، لم يكن أحد يتصور أن هذا الفتى اليافع سيكون في المستقبل القريب فاتح القدس وحامي الإسلام، وأن هذه السعادة العظيمة ستُكتب له، تلك السعادة التي يغبطه عليها الأكابر الأشراف والصالحون، وسيخلّد التاريخ هذا العمل الجليل الذي تركه هذا الفتى خلفه، وستفرح به روح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
كتب «لين بول»: بدلًا من أن يظهر على صلاح الدين الأيوبي ما يدل على أنه سيكون في المستقبل رجلًا عظيمًا ومثالًا واضحًا لأساس آمن ومستقر، فإن ما ظهر هو الدليل الذي يحفظ الطبائع الشريفة من كل ضعف وفساد خلقي. ولكن لما أراد الله تعالى أن يُنعِم على المسلمين بوجوده، هيّأ له الأسباب من الغيب.
أرسل نور الدين زنكي صلاح الدين إلى مصر بأمرٍ منه، وقد كتب القاضي بهاء الدين بن شداد، الذي كان من المقرّبين والمعتمدين لدى السلطان، قائلاً: قال لي السلطان الأيوبي بنفسه: لقد قبلتُ هذه المهمة إلى مصر على كُرهٍ مني، ولم يكن لي أي رغبة أو ميل في الذهاب إليها، وهذا هو المعنى الوارد في القرآن الكريم:
«وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم».
فلما وصل إلى مصر، تيسّر له الطريق، وآلت إليه مقاليد الحكم فیها، ومنذ ذلك الوقت تغيّر مجرى حياته تغيّرًا تامًّا، وأدرك أن الله تعالى يريد أن يستخدمه في أمرٍ عظيم، وأن هذا الأمر لا يتمّ بالراحة واللذّات.
وكتب القاضي بهاء الدين: بعد أن تولّى الحكم في مصر، صارت الدنيا في عينيه بلا قيمة، وهاجت في قلبه مشاعر الشكر، فأعرض عن شرب الخمر وسائر ألوان اللهو، واختار لنفسه حياة زاهدة ممتلئة بالحركة والعمل، وبنفس هذا النمط من الحياة، أخذ في الترقي والازدهار المستمر.
وكتب «لين بول»: «لقد وضع صلاح الدين على نفسه قواعد صارمة، وكان من المتقين الورعين منذ البداية، ولكنه في هذه الفترة بالَغَ في الزهد، فترك كل أنواع اللذات ووسائل الراحة، وتمسّك بالمعقولات التزامًا شديدًا، واعتبر نفسه قدوةً لرفقائه، وبذل جهدًا كبيرًا في أن يُقيم سلطة إسلامية قادرة تمامًا على مواجهة الكفار، حتى إنه قال ذات مرة: لما وهبني الله تعالى مصر، أدركت أنه سيمنحني فلسطين أيضًا. ومنذ ذلك الوقت، صار هدف صلاح الدين حتى آخر عمره هو نُصرة الإسلام وحمايته، وعزم عزمًا راسخًا على قتال الكفار».
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version