الكاتب: عبیدالله النیمروزي

سيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله

(الجزء الثالث)

أتابک عماد الدین الزنكي
لقد بزغ نجم جديد في هذه الفترة من خلال الصراع واليأس المتزايد، في أفق العالم الإسلامي، في وقت أصبح العالم الإسلامي في أمسّ الحاجة إلى قائد جديد ومجاهد ناشئ، من زاوية لم يكن يُتوقع منها أي أمل، ظهر هذا الرجل العظيم. يكتب «لين بول»: كان من الضروري على المسلمين أن يعلنوا الجهاد، وأن يختاروا قائدًا تتوفر فيه الشجاعة والهمة والكفاءة الحربية، ويكون محل قبول عند الجميع، وكان يجب على القادة التركمان والولاة الخاضعين لدولتهم أن يُنشئوا جماعة تتسم بالفروسية والروح القتالية والتدين، لترد على رصاص مظالم الصليبيين برصاص مماثل، وتجلى هذا القائد في شخصية عماد الدين الزنكي.
هاجم الزنكي بعد أن نظّم قوّاته وثبّت أركان سلطته في العراق والشام، مدينة الرُها (إديسا)، وهي المدينة التي كانت تُعدّ أقوى معقل لدى الصليبيين، وكانت تمثل أهميةً عسكريةً كبيرة، فشنّ الزنكي الهجوم على المدينة في السادس من جمادى الآخرة سنة ٥٣٩هـ، الموافق ٢٣ ديسمبر سنة ١١٤٤م، واستولى عليها. وقد وصفها المؤرخون العرب بأنها «فتح الفتوح»، لأنّ هذه المدينة كانت السندَ الأكبر للمملكة اللاتينية، وبهذا الفتح أُمن نهر الفرات من غارات الصليبيين. وبعد مدة قصيرة من هذا الفتح، استُشهد زنكي سنة ٥٤١هـ / ١١٤٦م على يد أحد عبيده، لكنه قبل استشهاده كان قد وضع خطة جهادية عظيمة ضد الصليبيين، أتمّها بعده ابنه البار، الملك العادل نور الدين الزنكي.
الملك العادل نور الدين الزنكي 
أصبح نور الدين محمود سلطان الشام،بعد استشهاد والده، واعتبر نفسه مُكلّفًا من الله من قِبَل جميع المسلمين لإخراج الصليبيين من القدس وتحرير بيت المقدس من أيديهم، وكان يرى هذه الخدمة الجليلة أعظم عبادة وقُربة إلى الله تعالى، وكما هو واضح، فقد أثبت في غزواته قوته أمام الممالك المسيحية.
استولى في سنة ٥٥٥ هـ، على قلعة حازم، التي كانت أقوى القلاع الحدودية في الشمال، وأُسر ملك أنطاكية مع قادة مشهورين آخرين، وقُتل في هذه المعركة عشرة آلاف نصراني، وأُسر عدد كبير منهم، وبعد هذا الانتصار فُتحت قلعة بانياس أيضًا.
ومن جهة أخرى، فتح مصر وحاصر النصارى من الجانبين، وقد كتب «لين بول»: «إن استيلاء القائد صلاح الدين وسلطان الشام نور الدين على نهر النيل، كان يعني أن المملكة النصرانية في القدس قد وقعت في فخٍّ من الخشب الرطب، إذ إنها حوصرت من الجهتين، وهاتان القوتان اللتان ضغطتا عليها من الجانبين، في الحقيقة كانتا قوتين لجيش واحد. وباستيلاء المسلمين على موانئ دمياط والإسكندرية وأخذ سفينة حربية كبيرة، قُطع اتصال الصليبيين في مصر بأوروبا بشكل كامل».
لقد طهّر نور الدين معظم مناطق فلسطين من دنس الصليبيين، إلا أن أعظم أمانيه وأقدس خدماته كانت تحرير بيت المقدس، وقد نال هذا الشرف قائده الباسل صلاح الدين الأيوبي، وهذا أيضًا يُعدّ من محاسن نور الدين التي تُذكر في سجل أعماله. تُوفي السلطان نور الدين سنة ٥٦٩هـ/١١٧٤م، عن عمر يناهز ثلاثًا وخمسين سنة، بسبب مرض الخناق (ضيق الصدر)، وحسب المؤرخ الإنجليزي، فقد انتشر خبر وفاة نور الدين، ملك الشام، بين المسلمين كلمح البصر.
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version