الكاتب: عبید الله النیمروزي

سيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله

الجزء‌ الثانی

الحروب الصليبية والخطر على الإسلام 
لقد كانت في بغداد، مركز الإسلام، تُمارَس أنشطة مكثفة في مجال التأليف والتدريس، وكان بعض العلماء البارزين منشغلين بإصلاح الناس وتربيتهم روحيًا، من جهة، ومن جهة أخرى، كانت غيوم الخطر تخيّم على سماء العالم الإسلامي، حتى أصبح وجود المسلمين، بل وجود الإسلام نفسه، عرضة للخطر. 
لقد كان نصارى أوروبا منذ مئات السنين يتربّصون بالمسلمين، وكان يؤلمهم أن المسلمين في البلدان الشرقية قد سيطروا على كافة المقدسات، بل وحتى على مكان مولد المسيح عليه السلام، وأصبح هذا وحده كافياً لإثارة مشاعر الناس وتحفيزهم على الانتقام، لكن بسبب وجود الممالك الإسلامية القوية وتقدمها نحو بلاد النصارى، لم يكن لديهم الجرأة على مهاجمة المسلمين.
فلم يكونوا يستطيعون أن ينظروا إلى الشام أو فلسطين أو أي بلد آخر من بلاد المسلمين بنظرة طامعة أو حاقدة، ولكن بعد زوال دولة السلاجقة وضعف الحدود الشمالية للدولة الإسلامية، بدأ الأوروبيون تساورهم وساوس الانتقام. وفي هذا الوقت، ظهر فيهم خطباء متعصبون دينيًا، أمثال «الراهب بطرس»، الذي كان يجوب أرجاء العالم المسيحي بخطبه النارية، محرضًا الناس ضد المسلمين.
فأحاطت بذلك موجة من الجنون الديني جميع البلاد النصرانية، وتوفرت إلى جانب ذلك دوافع سياسية واقتصادية أيضًا تحرضهم على غزو بلاد المسلمين الخصبة، مما جعل للحروب الصليبية جاذبية مادية وروحية، وكانت هذه العوامل مجتمعة سببًا في أن يسيّر الصليبيون في سنة ٤٩٠ هـ أولى حملاتهم باتجاه الشام (سوريا الحالية).
فاستولى في غضون عامين، على الرُها (إديسا) وولاية أنطاكية، والمدن الكبرى والحصون المنيعة ومدينة حلب. وفي سنة ٤٩٢ هـ / ١٠٩٩ م، استولى جيش الصليبيين على القدس (بيت المقدس)، وفي غضون سنوات قليلة أخرى، استولوا على معظم أراضي فلسطين، يعني ساحل الشام، ومناطق أنطراكوس، وعكا، وطرابلس الشرقية، وصيدا.
وبحسب قول المؤرخ الإنجليزي المعروف (ستانلي لين بول): «دخل جيش الصليبيين البلاد كما يدخل القلم الحديدي في الخشب العتيق الجاف، وفي وقت قصير جداً مزّق جذع شجرة الإسلام«.
لقد ارتكب الصليبيون عند استيلائهم على القدس، حيث كانوا في نشوة النصر،  مجازر مروعة بحق المسلمين العزل. يصفها مؤرخ إنجليزي منصف بالعبارات التالية: «عندما دخل الجيش المسيحي القدس منتصرًا، أحدثوا مذبحة عظيمة، حتى قيل إن خيولهم غاصت حتى الركب في بحر من الدماء أثناء توجههم إلى مسجد عمر. وكان الجنود ياخذون الأطفال من أقدامهم ويضربونهم بالحائط حتى الموت، ثم يلوحون بهم فوق رؤوسهم ويلقونهم خلف أسوار القلعة، وقد أُحرق جميع اليهود أحياءً داخل هيكلهم. وفي اليوم التالي، تكررت هذه الفظائع بشكل أكبر. كان «تانكرد» قد منح الأمان لثلاثمائة أسير، لكنه رغم صراخه، قُتلوا جميعًا. ثم حدثت مذبحة أكبر، حيث قُطعت أجساد الرجال والنساء والأطفال، وتكوّنت أكوام من الأشلاء في كل مكان
 انتهت في النهاية، هذه المجزرة الوحشية، وتم تنظيف شوارع المدينة الملطخة بالدماء بواسطة الأسرى العرب.
هذا و إن استيلائهم على بيت المقدس كان علامة على تراجع السلطنة الإسلامية، وأخذها في الضعف، وعلى دهاء وتجدد قوة المسيحيين، وكان بمثابة ناقوس خطر كبير للعالم الإسلامي، حيث نشأت في الشام وفلسطين، أربع إمارات مسيحية مستقلة (القدس، أنطاكية، طرابلس، وحيفا) وكانت تشكل تهديدًا دائمًا ومستقلًا لحرية ومراكز الإسلام (الحجاز)، وقد بلغ المسيحيون من الجرأة والوقاحة ما جعل «رنجی نالدوائی كرك» يقرر الهجوم على مكة المكرمة والمدينة المنورة.
لقد استُعملت كلمات مهينة وبذيئة في حق الروضة الطاهرة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكانت الحقيقة أن بعد حادثة الردة في عهد خلافة الصديق رضي الله عنه، لم تمر الأمة الإسلامية بمرحلة خطيرة كهذه، فقد كانت هذه هي المرة الثانية التي أصبح فيها الإسلام برمته معرضًا لخطر الزوال، وكان من الضروري على العالم الإسلامي أن يتهيأ لحربٍ منتصرة.
وقد شهد أوائل القرن السادس الهجري في العالم الإسلامي فترة من الفوضى غير المسبوقة، حيث كان خلفاء ملكشاه السلجوقي يتنازعون فيما بينهم، وكان خلفاء بني العباس قد سلّموا منذ زمن بعيد سلطتهم الفعلية إلى الأتراك العثمانيين.
لم يكن في العالم الإسلامي في تلك الفترة سلطان ماهر ولا قائد ذو كفاءة، يستطيع أن يعيد تنظيم شؤون الإسلام من جديد، ويجمع القوى الإسلامية المتفرقة تحت راية واحدة، ويواجه الخطر القادم من الشمال والغرب. وقد كتب «ستانلي لين بول» بحق: كانت تلك فترة غموض وتذبذب، إذ كانت القوة العظمى، يعني الدولة السلجوقية، تلفظ أنفاسها الأخيرة وتصارع الموت، وكل من كان يشهد هذا المشهد كان يُصاب بالدهشة والحيرة، وكانت تلك فترة اضطراب شامل، ما لم تتوحد جميع القوى المتفرقة وتتجه نحو هدف واحد. وخلاصة الأمر أن هذه كانت الحقيقة في تلك اللحظات، وهي أن الأوروبيين قد استطاعوا أن يحققوا النجاح من خلال حملاتهم الصليبية.

 

يتبع…
الجزء السابق | الجزء التالی

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version