الكاتب: أبو رائف

الاستعمار (الجزء الحادي عشر)

 

تفاسير حول الاستعمار
بعد التجارب الفاشلة التي خاضتها بريطانيا في الزحف والاعتداء على أفغانستان وتكرار إخفاقاتها، لم يعد أي بلد آخر يرى مثل هذا الإجراء ممكناً بالنسبة له، وتوقفوا عملياً عن الاعتداء على أفغانستان واحتلالها، ومع ذلك، قام الاتحاد السوفياتي السابق، الذي كان يسعى للتوسع وغزو الدول الضعيفة وتوسيع نفوذه، بإنزال قواته وتنفيذ هجوم عسكري على أفغانستان.
في عام ۱۹۷۹م، هاجم الاتحاد السوفياتي أفغانستان بأكثر من ۱۱۸ ألف جندي ومجموعة متنوعة من المعدات العسكرية الحديثة، واحتل البلاد. في البداية، قوبلت هذه الخطوة بمقاومات متفرقة من قبل الشعب والمجاهدين الأفغان، لكنها فشلت جميعاً، وتمكن الروس من السيطرة على أفغانستان وفرض نفوذهم عليها.
أهداف ودوافع الغزو السوفياتي لأفغانستان
سعى الاتحاد السوفياتي لتحقيق عدد لا يحصى من الأهداف والدوافع من خلال غزو أفغانستان، وكانوا يخططون لآفاق ورؤى محددة لتحقيق ذلك. أهم هذه الأهداف كما يلي:
۱- مكافحة التوسع البريطاني في القرن التاسع عشر:
كانت بريطانيا في القرن التاسع عشر إحدى القوى الاستعمارية الكبرى وكانت قد استعمرت الهند. من منطلق هذا، هاجمت الروس أفغانستان في سياق محاربة هذا التوسع وكبح جماح بريطانيا عن المزيد من العدوان والتوسع.
۲- منع نمو التيارات الإسلامية في آسيا الوسطى:
كانت أفغانستان تشترك في الحدود مع دول كانت آنذاك جزءاً من الاتحاد السوفياتي السابق، مثل طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان، والتي كانت تربطها بأفغانستان علاقات وثيقة من النواحي الدينية والثقافية والعرقية، وكان هناك خوف من أن تنتشر موجة “الإسلاموية” في تلك الجمهوريات، وهو ما كان يتعارض تماماً مع الفكر الشيوعي.
۳- الوصول إلى المياه الدافئة:
كان الاتحاد السوفياتي يسعى للوصول إلى المحيط الهندي ومن خلاله إلى مناطق أخرى من العالم.
۴- منع الهيمنة الأمريكية:
في القرنين التاسع عشر والعشرين، كان المنافس الوحيد لروسيا في مجال غزو الدول هو الولايات المتحدة الأمريكية، وكان السوفيات يسعون للحد من نفوذ وسيطرة هذا البلد. تظهر أهمية هذا الهدف جلياً في كون باكستان وإيران كانتا آنذاك تحت النفوذ المباشر للولايات المتحدة.
بداية الاحتلال
في البداية، دخلت طائرات نقل عسكرية إلى مطار كابول لنقل الجنود والمعدات العسكرية. تم هذا النقل بـ«اتفاق صوري» تم التوصل إليه مع«حفيظ الله أمين»، رئيس أفغانستان آنذاك، ولهذا السبب، لم يبد الجنود الأفغان المتواجدون في المطار أي رد فعل ولم يُسمح لهم بالمقاومة.
دخل الجنود السوفيات أفغانستان، وبعد يومين فقط، أحكموا سيطرتهم على كابول. وكان أول إجراء قاموا به هو قتل حفيظ الله أمين في تلة تاج بيك (مقر إقامته)، وتنصيب «ببرك كارمل»، زعيم جناح «برجم»، على رأس السلطة.
لم يكن الكثير من سكان كابول على علم بمقتل السيد أمين، لكن الأجواء المضطربة في كابول والتحركات غير العادية للدبابات أثارت تساؤلات لدى الناس، وفي مساء اليوم نفسه، بثت راديو طاجيكستان، الذي كان يتزامن مع تردد كابول، صوت ببرك كرمال، وبذلك تيقن الناس أن بلادهم قد احتلت.
في اليوم التالي، اكتسب كل شيء لوناً مختلفاً في نظرهم؛ كانت قطرات الحزن تتساقط من سماء كابول، ونسيمها يحمل رائحة الدم. في الشوارع والأزقة، لم يكن يُرى شيء سوى دبابات وجنود سوفيات.
الروس، الذين كانوا منتشين ومغرورين بتجاوزهم على أفغانستان وبمستوى قوتهم العسكرية وتجهيزاتهم، اعتقدوا أنهم سيتمكنون من قمع أي مقاومة في فترة قصيرة. لكن سرعان ما تبين أن هذا الاعتقاد كان وهماً وخيالاً. ومن هنا، لم يمض وقت طويل حتى بدأت الحركات الجهادية للشعب الأفغاني تضيق الخناق على المعتدين وتجعل الساحة أضيق عليهم.
محاولات المعتدين لتطبيع الأوضاع
من عادة المعتدين والدول الاستعمارية أنه بعد السيطرة على بلد ما، يسعون لجعل الأوضاع تبدو عادية وطبيعية، وصرف انتباه الرأي العام وعيون المواطنين نحو الإيجابيات الموجودة وإبعادها عن المآسي. الروس وعملاؤهم قاموا بمثل هذه الأعمال.
ببرك كارمل، الذي كان سياسياً خبيراً ومحنكاً، بدأ يتخذ خطوات بعيدة المدى. أطلق سراح السجناء من عهد تَرَكي وأمين، وأعاد الممتلكات المصادرة للشعب. كما حاول إعادة بعض الهدوء من خلال خطط لمنح الحكم الذاتي لبعض المناطق وإنشاء تجمعات باسم«الشؤون الإسلامية» و«وزارة الأعراق والقبائل» وغيرها. لكن الوقت لم يكن مناسباً لهذه الإجراءات، وبدأت الحرب تتخذ شكلاً عاماً وشاملاً بدلاً من أن تكون إقليمية.
 یتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version