الكاتب: أبو رائف

الاستعمار

(الجزء العاشر)

 

الاستعمار في أفغانستان
تُعد دولة أفغانستان الإسلامية من الدول القليلة، وبشهادة المفكرين والعلماء المسلمين، التي لم تخضع للاستعمار قط. في فترة الاستعمار التقليدي وأساليبه المعتادة، رفضت أفغانستان الخضوع لاستعمار الأجانب والوقوع تحت سيطرتهم، وحافظت على استقلالها.
اعترف مفكرون عديدون من بين الكُتاب والعلماء المسلمين بهذه الحقيقة، وأشادوا بغيرة وشجاعة الشعب الأفغاني في عدم قبول الاستعمار عبر التاريخ. يكتب الدكتور المستشار علي جريشة في هذا الصدد: «في العالم الإسلامي، لم تنجُ من الاستعمار العسكري للدول المستعمِرة سوى دولتين: إحداهما جزيرة العرب والأخرى أفغانستان».
إن نجاة أفغانستان من الاستعمار كان بفضل شجاعة وبسالة الأفغان والهزائم المتكررة التي مُنيت بها قوات الاحتلال على يد رجال المقاومة الإسلامية. لقد حالت نصرة وتوفيق الله تعالى للمجاهدين الأفغان في مواجهة محاولات الإنجليز لاحتلال أراضيهم دون قيامهم بمثل هذا الإجراء مرة أخرى، لكن الروس الأغبياء وحدهم من سقطوا في هذه الورطة في المرحلة النهائية.
ويكتب الأستاذ يحيى محمد إلياس في هذا الشأن: «تجدر الإشارة إلى أنه في هذا الغزو الأوروبي الواسع، لم تنجُ أي دولة أخرى باستثناء دولتين إسلاميتين هما: الجزيرة العربية وأفغانستان».
ولعل هذا الموضوع تحديداً هو الذي دفع الدول المعتدية والمعادية إلى التخطيط لغزو وهجوم عسكري على هذا الحصن الكبير للإسلام والمسلمين، مما جعلنا نشهد في أوقات ليست ببعيدة غزوات بريطانيا، ثم الاتحاد السوفياتي السابق، ومؤخراً اعتداء الولايات المتحدة وحلفائها، في هذا السياق، من الضروري دراسة مرحلتين هامتين من تاريخ أفغانستان وهما: العدوان البريطاني والعدوان السوفياتي السابق.
العدوان البريطاني
زحفت بريطانيا على أراضي أفغانستان في ثلاث مراحل مختلفة ولأهداف محددة ومطامع خاصة بها، وكانت تسعى لاحتلال واستعمار هذا البلد. يشهد التاريخ أنه بعد كل زحف وعدوان للثعلب العجوز على هذه الأرض المقدسة، شهدنا تضحيات وجهوداً لا حصر لها من قبل الشعب الأفغاني وصمودهم البطولي؛ حيث توحدت مختلف الأعراق والألسنة، ورجال الدين، والقوميين، والسياسيين المخلصين، وخاضوا معارك ضد القوات المعتدية.
الحرب الإنجليزية الأفغانية الأولى
بدأت الحرب الإنجليزية الأولى مع الشعب الأفغاني في عام ۱۸۳۸م واستمرت حتى عام ۱۸۴۲م. تشكلت هذه الحرب بدعم وتوجيه من شركة الهند الشرقية. بلغ عدد القوات البريطانية في هذه الحرب، بما في ذلك القوات الرئيسية والخدم والمحرضون، ما يقرب من ثلاثين ألف جندي، عُرفوا باسم «جيش السند»، وتألف من فيلقين من الجنود البريطانيين والهنود.
تمكن الإنجليز، عبر إغراء بعض القادة الأفغان، من هزيمة حكومة دوست محمد خان والسيطرة على البلاد. بعد احتلال أفغانستان من قبل الإنجليز والاستيلاء على قندهار ثم الزحف والسيطرة على كابول، فرضوا معاهدة على «شاه شجاع»، الملك العميل والمدعوم من قبلهم، والتي بموجبها تم ضمان الوجود الدائم للقوات البريطانية في أفغانستان وسيطرة الإنجليز على السياسة الخارجية الأفغانية.
خلال هذه السنوات، ارتكب الإنجليز جميع أنواع الظلم والتعذيب ضد الشعب الأفغاني، لكنهم واجهوا صمود الأفغان وشجاعتهم التي لا مثيل لها، وفي النهاية، هُزموا في عام ۱۸۴۲م على يد الأمة والمجاهدين الأفغان الذين تألفوا من مختلف أعراق هذه البلاد، وغادروا تراب هذا الوطن.
في غضون ذلك، كانت انتفاضة ۱۷ رمضان، التي اشتهرت بكونها انتفاضة الشعب المؤمن والمسلم والمجاهد الأفغاني ضد الإنجليز والتي بدأت في عام ۱۸۴۱م، هي بداية الحركة التحريرية لأفغانستان من أيدي الإنجليز.
الحرب الإنجليزية الأفغانية الثانية
استمرت هذه الحرب من عام ۱۸۷۸م إلى عام ۱۸۸۰م. حاول الإنجليز مرة أخرى غزو واحتلال أفغانستان، وهم لا يزالون يتألمون من هزيمتهم الأولى المخزية والخسائر الكبيرة في الأرواح والموارد المالية التي تكبدوها.
في ذلك الوقت، كان «الأمير شير علي خان»، نجل «الأمير دوست محمد خان»، يحكم أفغانستان ولم يستطع أن يصمد طويلاً أمام قوات الاحتلال البريطانية. بعد استيلاء الإنجليز على أفغانستان، الذي تزامن بعد فترة وجيزة مع وفاة شير علي خان، فرضوا معاهدة على ابنه «الأمير يعقوب خان»، وبموجبها تم افتتاح السفارة البريطانية في كابول، وأصبحت السياسة الخارجية الأفغانية تحت سيطرة الإنجليز، كما سيطروا على الممرات الرئيسية لأفغانستان.
سيطر الإنجليز على أفغانستان من خلال غزوات مختلفة، وتولوا جميع الشؤون العسكرية والسياسية. ولكن بعد فترة، بدأت الانتفاضة الثورية والجهادية للشعب الأفغاني، حيث قام أشخاص مثل «الملا دين محمد» المعروف باسم «الملا مِشْك عَالَم» و«الملا عبد الغفور لنغري» بالتحريض على الجهاد. كما قام العديد من الشخصيات الوطنية من مختلف مناطق أفغانستان بالمعارضة والقتال ضد الإنجليز، وضيّقوا الخناق عليهم في القرى والمدن والشوارع، وقدموا تضحيات لا حصر لها في هذا الطريق.
اشتهرت انتفاضات الشعب الأفغاني ضد الإنجليز بأسماء مثل «انتفاضة كابول» و«انتفاضة ديسمبر العامة» وغيرها. وقد مهد العلماء وعامة الشعب الأفغاني من خلال جهادهم ورفضهم لخطط ومؤامرات الإنجليز، التي كانت تهدف إلى تقسيم أفغانستان، الطريق لهزيمة الإنجليز وانسحابهم للمرة الثانية.
الحرب الإنجليزية الأفغانية الثالثة
وقعت هذه الحرب، المعروفة أيضاً باسم حرب «تل» أو «الاستقلال»، بين بريطانيا وأفغانستان في عام ۱۹۱۹م. كان سببها رفض «أمان الله خان»، ملك أفغانستان آنذاك، لمعاهدة «غندمك» هذه المعاهدة كانت قد وقعت خلال الحرب الإنجليزية الأفغانية الثانية وانتهكت بموجبها الحريات الوطنية لأفغانستان. لذلك، أثار رفض أمان الله خان غضب الإنجليز الذين قاموا بقصف عشوائي وقتلوا عدداً كبيراً من الأشخاص. وفي النهاية، انتهت الحرب في العام نفسه، بعد اعتراف أمان الله خان بخط ديورند الوهمي، واعتراف بريطانيا بأفغانستان واستقلالها.
 یتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version