الكاتب: سید مصلح الدین

ديوبند؛ أم المدارس الدينية في شبه القارة الهندية

(الجزء الثاني)

تأثير الاستعمار على مسلمي الهند
سيطرة الاستعمار على الهند
لقد بدأ سيطرة الاستعمار البريطاني على الهند بعد تولي الشركة التجارية الشرقية زمام الأمور، حيث بعد استقرارها في كلكتا، تمكنت بريطانيا من خلال غطاء أنشطة هذه الشركة، من فرض سيطرتها الكاملة على الهند حتى عام ١٨٥٧ م، ومع مرور الزمن وسّعت هيمنتها الاستعمارية في جميع أرجاء الهند، وقمّعت جميع أشكال المقاومة المحلية، من أمراء،ومهراجات، ونواب وسائر الشعب.[1].
سلطت شركة الهند الشرقية على ولايات البنغال وبيهار وأوريسا، بالإضافة إلى بنارس وغازيبور في سنة ۱۱۷۹هـ / ١٧٦٥م. وهزم البريطانيون سراج الدولة وشجاع الدولة، وهما من حكام المسلمين في الهند، في سنتي ١٧٥٧م (١٢٠٧هـ) و١٧٦٤م (١٢١٤هـ) على التوالي، وحددوا سلطة شاه عالم التيموري على منطقة الله آباد.[2] كما استشهد تيبو سلطان، الحاكم المسلم للهند، في معركة ضد المستعمرين البريطانيين في سريرانغبتنا في تاريخ ٤ مايو ١٧٩٩م.[3]، وخلاصة الأمر، بحسب ما ورد في الصحف البريطانية، فإن هذه الانتصارات مكنت البريطانيين من إضعاف المسلمين وإذلالهم، بل أعلنوا أنهم لم يعودوا يخشون شعب الهند ولا حكم العائلة التيمورية.[4].
نهاية السلطنة والمجتمع والثقافة
بعد استيلاء البريطانيين، كان المسلمون هم الأكثر تضرّراً. يكتب هانتر، أحد المسؤولين البريطانيين في البنغال، عن وضع المسلمين في الهند سنة ١٨٧١: «إنهم قوم تضرّروا من جميع الوجوه في ظلّ الحكم البريطاني.»[5].
كانت سياسة الاستعمار تهدف إلى حذف المسلمين من الحكم، فعلى سبيل المثال، في الولايات الشمالية الغربية التي شملت الأراضي التي تنازل عنها نواب أوده سنة ١٨٠١، وكذلك الأراضي التي وقعت بيد الحكومة البريطانية في الهند نتيجة لهزيمة المرهتة، كان المسلمون يُشكّلون الغالبية الكبرى من أصحاب المناصب والمرؤوسين في الخدمات القضائية، لكن البريطانيين خصّصوا ٧٢٪ من المناصب القضائية حتى منصب “سردار أمين” (أي قاضي القضايا الصغيرة)، وجميع المناصب في الأقسام الأخرى، للهندوس حتى عام ١٨٥٧.
مع دخول الاستعمار، تدهورت أوضاع الملاّكين المسلمين كذلك، فقد كان الملاّكون المسلمون في الولايات الشمالية يتعرّضون لاستجوابات من قِبَل الموظفين الإداريين، وتم عزلهم من مناصبهم في البنغال، وكانوا يعلمون أنهم سيعيشون من الآن فصاعدًا حياةً شاقّة في مجتمع مغلق، دون أي أمل في الوصول إلى المناصب السلطانية، فاستقرار حكومة بريطانيا في الهند أثّر بطرق مختلفة على مختلف طبقات المجتمع المسلم؛ فلم يُدمّر فقط مصادر دخلهم، بل قلب نمط حياتهم رأسًا على عقب، وفي النهاية، عند احتلال دهلي على يد اللورد ليك، أصبح شاه عالم وسائر خُدّام شركة الهند الشرقية تدريجيًا من الموظفين الذين يتقاضون رواتب من الحكومة البريطانية، بل فقدوا حتى استقلالهم في الشؤون الشخصية.
مدح اللورد وَلَزلي اللورد لِيك لدى شاه عالم قائلا: إنه محظوظ لأنه كان وسيلة لإعادة جلالة الملك إلى حكم عظيم ينعم بالسلام تحت رعاية الحكومة الملكية البريطانية، وردّ شاه عالم على ذلك حين بمنح اللورد ليك منصب القائد العام للجيش: وعندما استولى اللورد ليك على خزينة شاه عالم، قدّمها شاه عالم كهدية للجيش البريطاني. واعتبر البريطانيون شاه عالم موظفًا يتقاضى راتبًا من ملكة إنجلترا، وحددوا له راتبًا قدره مليون ومئة وخمسون ألف روبية. وبعد وفاة شاه عالم، كان من المفترض أن يخلفه ابنه أكبر الثاني، لكن البريطانيين لم يعترفوا له بحق تعيين خليفته، ورفض اللورد هاستينغز، حين كان القائد العام في الهند، أن يقف احترامًا لأكبر، مبيّنًا بذلك أن ملوك التيموريين صاروا تابعين للاستعمار، وفي النهاية، تخلّى البريطانيون خلال أربعينيات القرن التاسع عشر عن أي احترام كانوا يظهرونه سابقًا للملك.
ألغى اللورد ألين بورو، الحاكم البريطاني، في عام ١٨٤٤ تقليد تقديم النذر، أي الهدية من الأدنى إلى الأعلى، واستُعيض عنه بمنحة شهرية، حيث حصل بهادر شاه في عام ١٨٥١ على راتب شهري قدره ٨٣٣ روبية. وفي عام ١٨٤٩، وبموافقة القائد البريطاني دالهوسي، تم الاعتراف بميرزا فخر الدين وريثًا شرعيًا للعرش، بشرط أن تغادر الأسرة الملكية القلعة الحمراء في دلهي بعد وفاة بهادر شاه، لأن دالهوسي كان يخطط لاستخدام القلعة كمخزن للبارود، وبهذه الإجراءات، تم تدريجيًا إلغاء لقب الملك. وفي عام ١٨٥٦م، اعترف الحاكمان العامان “كانينغ” بميرزا محمد كُلاش فقط كأمير للأسرة التيمورية، لا كملك. وبعد أن أعاد البريطانيون احتلال دلهي إثر فشل ثورة ١٨٥٧، لم تُقضَ على الأسرة المغولية بالموت أو النفي بالكامل، لكن أفرادها عاشوا كأشراف في وظائف حكومية، تحت رعاية البريطانيين، وأُسكنوا بالقرب من قطب مينار.
كانت اللغة الفارسية، في عهد حكم المسلمين للهند،  هي اللغة الرسمية في البلاد، وكان جميع المتعلمين من الهنود، سواء من المسلمين أو الهندوس، يتقنون اللغة الفارسية، بل إنّ البريطانيين أنفسهم قد اعترفوا بها في البداية وأجروا مراسلاتهم الرسمية بها. إلى أن جاء أحد المسؤولين البريطانيين يُدعى «ماكولي»، فاقترح لأول مرة في مذكرته الشهيرة عن الأوضاع الثقافية في الهند استبدال اللغة الفارسية بالإنجليزية. ونتيجة لذلك، أُعلن في عام ١٨٣٥ أن التعليم في المدارس الثانوية سيكون باللغة الإنجليزية، وأن اللغة الفارسية ألغيت كلغة رسمية وتحلّ محلها اللغة الإنجليزية.
عقب هذا الإعلان، مُنع استخدام اللغة الفارسية في الدوائر الحكومية، وبيوت التجارة، والمحاكم، وتمّت ترجمة جميع كتب القانون من العربية والفارسية إلى الإنجليزية. واعتبر المسلمون هذا التغيير في اللغة مؤامرة للقضاء على ثقافتهم ودينهم، فرفضوه وخاضوا مقاومة سلبية، وانسحبوا من المراكز الثقافية. وفي البنغال، لم يكن الحكّام البريطانيون يولون المسلمين أي اهتمام، لأنهم كانوا يرونهم من بقايا النظام الحاكم السابق، وكانوا يخشون أن يتسببوا لهم في المتاعب والمشكلات؛ ولذلك جعل الهندوس البنغاليون في بداية الأمر جميع الوظائف الإدارية والخدمات الحكومية البريطانية في الهند منحصرة لأنفسهم، وغالبًا ما كانوا يُرسلون من قبل الحكومة إلى المناطق الأخرى والولايات الشمالية من الهند.[6].
لقد وجّه البريطانيون ضربة قاسية للثقافة الإسلامية بقطع تمويل المدارس الإسلامية، فعندما بسطوا سيطرتهم على البنغال، كانت هناك أراضٍ واسعة تُعرف بالـ«معافي»، وكانت معفاة من الضرائب، وكانت كثير من هذه الأراضي مملوكة ملكية خاصة، يُخصص دخلها في الغالب كموقوفات للمؤسسات التعليمية، وكان عدد كبير من المدارس التقليدية وبعض مؤسسات التعليم العالي التي تُدرّس اللغة الفارسية تتلقى الدعم من أعطيات هذه المعافي، وكانت تدار بهذه الأموال.
كانت شركة الهند الشرقية تسعى جاهدة لدفع أرباح أكبر لمساهميها في إنجلترا في أسرع وقت ممكن، ولذلك كان المديرون ورؤساء الشركة يمارسون ضغوطًا مستمرة لهذا الغرض، فاتبعوا سياسة مصادرة أراضي المعافي، وطلبوا من القائمين على تلك الأراضي أن يُثبتوا إعفاءهم من الضرائب، لكن الوثائق كانت قديمة أو مفقودة، أو أكلتها الحشرات والأرضة، وبهذه الحيلة قاموا بمصادرة الأراضي وطرد القائمين عليها، ففقدت المدارس والمعاهد التعليمية التي كانت تعتمد على هذه الموارد مصدر تمويلها. وشملت هذه التغييرات مناطق واسعة، ما أدى إلى إفلاس وتدمير العديد من العائلات، وأُغلقت المؤسسات التعليمية التي كانت تُدار بعائدات تلك المعافي.
كان تسلّط البريطانيا على الهند يعني فقدان كل شيء للمسلمين، إذ إنهم رغم تشكيلهم خُمس سكان الهند، وتوليهم حكمها لعدة قرون، وتمتعهم بنفوذ ثقافي كبير، كانت الحكومة البريطانية تعتبرهم دائمًا العدو الأول، وتنسب إليهم كل مقاومة أو تمرد أو أعمال تخريب، وقد كتب المؤلف البريطاني الشهير ويليام هنتر سنة ١٨٧١ في كتابه «مسلمو الهند»: إنّ المسلمين في الهند كانوا في الماضي ولا يزالون مصدر خطر على الحكم البريطاني فيها، ولذلك كان لا بدّ للاستعمار من تثبيت سلطته وهيمنته على المسلمين عبر تغيير معتقداتهم، ومن ذلك نشر العقائد والمذاهب المخالفة للإسلام.
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

[1]. هادی نجف آبادي، ۱۳۶۳: ۳.
[2]. الندوي، ۱۹۹۹: ۳۱۰.
[3]. الندوي، ۱۹۹۷: ۳۴۰.
[4]. الندوي، ٣١٠: ۱۹۹۹.
[5]. هاردي، ١٣٦٩: ٥٧.
[6]. نهرو، ۱۳۶۱: ۵۲۵.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version