الكاتب: سید مصلح الدین

ديوبند؛ أم المدارس الدينية في شبه القارة الهندية

(الجزء الأول)

 

 

مدح گویم صد هزاران سرزمین دیوبند             شاد باش و شاد زی ای خاک پاک دیوبند
أمدح ديوبند بمئات الآلاف، كوني سعيدة وعشي سعيدة يا ديوبند يا أيها الأرض المطهرة!
با مسمی دارد اسمت نسبتی ای دیوبند        پرچم اسلام را در آسیا کردی بلند
إن لإسمك نسبة مع مسماك يا ديوبند، فقدت رفعت رأية الإسلام في قارة آسيا.
مرحبا صد مرحبا، دارالعلوم دیوبند                  عارفان و حق ­پرستان را تو کردی فیض­ مند
مرحبًا لك مائة مرة، يا دار العلوم بديوبند، فقد أفضت العارفين وطلبة الحق.
الخلاصة
لقد اتّخذت نضالات شعب الهند ضدّ بريطانيا أشكالًا متعدّدة، فعندما ازدادت النشاطات التبشيرية بدعمٍ من الاستعمار العجوز، إلى جانب الدعاية الواسعة للهندوس التي كثيرًا ما تآزرت مع التبشير المسيحي ضدّ الإسلام، قام العلماء وقادة سفينة الإسلام والمسلمين في الهند بدراسة، ومناقشة كافّة السبل التي تُسهم في حماية كيان الإسلام والثقافة والعقيدة الإسلامية الأصيلة في هذا البلد.
فتوصّلوا في النهاية إلى أنّ الحلّ الوحيد هو إنشاء مراكز ومدارس لتعليم العلوم الإسلامية بدعم ومساندة الجماهير المسلمة، وكان من أبرز ما قام به المسلمون في الهند لمواجهة الغزو الثقافي الاستعماري هو تأسيس دارالعلوم ديوبند، والتي أُسّست بجهود مجموعة من علماء المسلمين في الهند خلال فترة حكم شركة الهند الشرقية البريطانية، وقد أصبحت هذه المدرسة منطلقًا لتحوّلات كبيرة في الحياة الثقافية والسياسية للمسلمين في شبه القارّة الهندية، ولا تزال آثارها قائمة إلى يومنا هذا.
ثم إن تهديد هوية المسلمين في الهند من قبل الهندوس المتطرّفين من جهة، والغزو الثقافي الاستعماري من جهة أخرى، هو الذي أوجب تأسيس هذا الصرح العلمي، كما أنّ هذا المركز التعليمي، وفقًا لمقتضيات الزمان والظروف الاجتماعية، اختار إلى جانب المنهج الثقافي منهجًا سياسيًا، حتى لا يغيب عن المشاركة في الميادين المصيرية للسياسة.
المقدمة
إن قرن الثالث عشر الهجري كان يقضي آخر سنواته، وكانت شمعة العزة الإسلامية أصبحت ضعيفة وبقي منه دخان فقط، والذي يشير إلى انطفائه، وقد زالت سلطة سلطان المغول عن عرش دهلي، وصارت مجرد صدى صوت أو شهرة خالية من الحقيقة، وكان اسم الملك يُذكر أحيانًا فقط، وشعائر الإسلام بدأت تندثر، والعلوم الدينية والمراكز العلمية أغلقت أبوابها، الواحد تلو الآخر، لفقدانها الدعم الشعبي، واتُّخذت قرارات باقتلاع أُسَر العلم من جذورها، وحلّ الجهل والضلال محل الوعي الديني، اللذين استوليا على قلوب المسلمين.
وزالت سنن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من حياة المسلمين، وحلت محلها التقاليد الجاهلية، وأنواع الشرك والبدع والهوى، وأفل نور المشرق، وارتفعت رأيةُ التهذيب والحضارة الغربية، فانبثق منها الإلحاد والعلمانية والمادية والانفلات باسم حرية الفكر، وانبهرت الأبصار، وبدت برامج الإسلام الحيّة ناقصةً في أعينٍ مريضة، حتى لم تَعُد سماتُها الإسلامية تعرَف، وذبلت رياض الإسلام برياح الخريف، وسَكَتَت تغاريد طيور الشريعة العذبة، لتحلّ محلها الغربانُ ونعيقُها المُزعِج، وهناك آلاف المشاهد القاتمة والمؤلمة التي يمكن من خلالها تقدير الأجواء الملوثة والفاسدة التي كانت تسود الهند في ذلك الزمن.
اندکی با تو بگفتم غم دل،ترسیدم          که دل آزرده شوی ورنه سخن بسیار است
قلت معك قليلًا من الغموم وخشيت أن تنزعج نفسك، وإلا فإن الحديث كثير.
في هذا الجوّ الملوّث تحوّلت الآمال إلى يأس، وكانت الأوضاع توحي بأنّ روضة الإسلام قد ذبلت، وأنّ الهند في طريقها لتعيد تاريخ الأندلس من جديد.
في خضمّ هذا الاضطراب النفسي والروحي، شعر بعض الشخصيات المقدّسة، بإلهامٍ إلهي، بحركةٍ في قلوبهم، وكان هذا الإحساس هو نفسه شعور الحراسة والدفاع عن الدين الإسلامي الحنيف من خلال علوم النبوة، وأنه لا بدّ من نجدة المسلمين الذين كانوا على وشك فقدان هويتهم في هذا الاضطراب، فاجتمع هؤلاء الأكابر وأولياء الله في مكانٍ ما، وتباحثوا بشأن ما أُلهم إلى قلوبهم للوصول إلى حلّ مناسب، وقد توصّلوا إلى أنّه في مثل هذه المرحلة الزمنية وهذا الجوّ الملوّث، لا سبيل لإنقاذ المسلمين في الهند من هذه المستنقعات إلا عن طريق تعليم وتعلّم الدين ومبادئه، وتنظيم شتاتهم بالتربية والتعليم، وضمان بقائهم، وكان ذلك لا يتحقّق إلا بتأسيس مدرسة علمية دينية تُدرّس فيها علوم النبوة، وتُنظَّم من خلالها حياة المسلمين وبرامجهم الحياتية من دينية واجتماعية وسياسية.
وكان الهدف أن يتحقّق من جهةٍ التوجيه الداخلي للمسلمين، ومن جهةٍ أخرى مواجهة مخطّطات الأجانب، فتنتشر التعاليم الإسلامية بين المسلمين، ويرتفع الوعي السياسي الديني، وإنّ الذين نهضوا لتحقيق هذه الأهداف لم يكونوا زعماء سياسيين رسميين، بل كانوا من كبار العارفين بالله، وأولياء زمانهم.
لم تكن مشاوراتهم تلك مفاوضات بروتوكولية، بل كانت إلهامات إلهية، كما نُقل عن مولانا حبيب الرحمن العثماني، المدير السادس لدارالعلوم، أنّه في وقتٍ واحدٍ أُلهمت قلوب هؤلاء الأكابر الطاهرة بأنّه في هذا الظرف الزماني لا سبيل إلا تأسيس مدرسة تكون سبباً في إنقاذ الإسلام والمسلمين في هذا البلد وضمان المبادئ الإسلامية، ففي تلك الجلسة، قال أحدهم: «رأيت في المنام أنه يجب تأسيس مدرسة لحماية الدين والمسلمين»، وقال آخر: «كشف لي أنّه ينبغي إنشاء مدرسة»، وقال آخر: «ورد هذا الأمر على قلبي أيضاً»، وقال رابع: «أُلهمت بأنّه يجب بناء مدرسة لتعليم الدين»، وكان قرار هؤلاء الأكابر بعد التشاور المطوّل كأنّه نوع من الإجماع من عالم الغيب نزل من عند الله.
فما يُستنتج من هذا الأمر هو أن قرار تأسيس المدرسة لم يكن قرارًا رسميًا شكليًا، بل كان إلهامًا إلهيًا، وهناك حقيقة كامنة أيضًا، وهي أن أفق هذا القرار كان برنامجًا إصلاحيًا شاملًا وطويل الأمد، وليس برنامجًا قصير المدى ومحدودًا؛ لأن عواقب وتبعات زوال شوكة المسلمين لم تكن محدودة أو مؤقتة بحيث يمكن التخطيط لها مؤقتًا، بل كانت هذه العواقب والآثار السلبية شاملة، ولذلك كانت التخطيطات شاملة وعامة، وعلى الرغم من أن البداية كانت تبدو كشتلة، إلا أن في داخلها شجرة عملاقة تكمن جذورها في أعماق القلوب الطاهرة، وأغصانها تمتد إلى السماء.
كان مولانا محمد قاسم النانوتوي رحمه الله في الصف الأول من هذا الأمر الجليل، فقد فهم هذه الإشارة الغيبية فحولها إلى قرار جدي وعملي.
يتبع…

الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version