الكاتب: ابوالنصر الزرنجي

عشرون قولًا، عشرون وجهًا مشرقًا

(الجزء الثاني)

 

الإمام الغزالي رحمه‌الله
الأوضاع العلمية والاجتماعية في عصر الغزالي
كما أن وجود النوابغ يؤثر في الأوضاع الاجتماعية، فإن الظروف ومتطلبات الزمان يُسهم أيضًا في ظهورهم، ولذلك، عند تقييم تأثيرات عظماء التاريخ يجب الاهتمام إلى نقطتين اثنتين: الأولى وهي روح العصر والزمن الذي ظهر فيه النابغة والثانية تأثير وجوده على الأوضاع العلمية والأدبية والاجتماعية.
فعصر الذي عاش فيه الغزالي من العصور المشرقة في التاريخ، حيث تطورت فيه العلوم والأدب تطورًا مرموقا، وظهر فيه العلماء والأدباء من أنحاء العالم، وتطوّروا في مجالات التعليم والتربية وتأليف وتصنيف الآثار العلمية والأدبية تطورًا لافتًا.
عاش الغزالي في زمن حكم السلاجقة (٤٢٩ – ٥٥٢ هـ) في إيران، وكان معاصرًا لمعظم ملوك هذه السلالة، وظهور السلاجقة كقوة جديدة يُعد بدايةَ مرحلةٍ جديدة في تاريخ العالم الإسلامي، وبعد أن خرجت إيران من تحت سلطة الخلفاء وتقسّمت إلى عدة ممالك صغيرة، لم يتمكّن أيّ من الحكام من إقامة دولة موحدة تشمل جميع أنحاء إيران، كما أن السلطان محمود الغزنوي (٣٨٧ – ٤٢١ هـ) لم يجد الوقت الكافي لتوسيع نفوذه داخل إيران، لانشغاله بالحروب المتعددة في الهند والصراعات مع الأتراك في ما وراء النهر والخوارزميين.
لقد تمكّن السلاجقة في فترة قصيرة نسبيًا من طرد الحكّام المحليين من بلاد إيران والسيطرة على جميع أجزائها، ولم يقتصروا على إيران فحسب، بل توسّعوا إلى مناطق آسيوية أخرى، حتى أسّسوا إمبراطورية واسعة كان مركزها في إيران، ويُعدّ هذا العصر من أزهى عصور الثقافة والحضارة الإسلامية، وقد ترك تأثيرات عميقة ودائمة في تاريخ العالم الإسلامي وتطوّره.
كان طغرل بك، ركن الدين أبو طالب (٤٢٩ – ٤٥٥ هـ)، أول ملوك السلاجقة، وقد استطاع خلال ستة وعشرين عامًا من الحكم أن يُخضع جميع أنحاء إيران، وخوارزم، وأجزاء من ما وراء النهر، وقد سافر مرارًا إلى بغداد وسعى لتقوية دعائم الخلافة والقضاء على معارضي الخليفة، حتى تمكّن من بسط نفوذه على مركز الخلافة الإسلامية، فأمر الخليفة القائم بأمر الله (٤٢٢ – ٤٦٧ هـ) بذكر اسمه في خطبة الجمعة بعد اسمه، وذلك في ٢٢ محرّم سنة ٤٤٧ هـ.
وقد شهد هذا العصر زواجًا بين البيتين السلجوقي والعباسي، وهو أمر نادر في ذلك الزمان، إذ زوّج طغرل بك إحدى بنات أسرته للخليفة، وتزوّج هو من ابنة الخليفة سنة ٤٥٤ هـ.
توجّه آلب أرسلان، عضد الدين أبو شجاع (٤٥٥ – ٤٦٥ هـ)، بعد أن فتح مناطق ما وراء النهر وتركستان، إلى أراض الروم، وفي سنة ٤٦٤ هـ هزم إمبراطور الروم بالقرب من أخلاط، وأسره ثم أطلق سراحه، ونتيجةً لذلك، أصبح والي جورجيا تابعًا له يدفع له الجزية.
أما ملك شاه، جلال الدين أبو الفتح (٤٦٥ – ٤٨٥ هـ)، فبفضل وزيره الحكيم خواجه نظام الملك، أوصل الدولة السلجوقية إلى أعلى مراتب القوة والاتساع، فقضى على الفتن الداخلية، وسار على نهج أبيه وجدّه في الفتوحات، وقد فتح بلادًا كالشام، وحلب، والجزيرة، وكثيرًا من المناطق الأخرى، حتى أخضع جميع بلاد آسيا لحكمه.
فقد اتّسعت مملكته من حدود الشام إلى الصين، حتى إنّ وزيره الحكيم كان يصرف أُجور ملاحِي جيحون من أنطاكية. وكانت جميع انتصارات السلطان ونجاحاته مرتبطة بوجود هذا الوزير الكفء. وقد ظلّت دولة السلاجقة في ازدهار ما دام نظام الملك حيًّا، ولكن بعد اغتياله ووفاة ملكشاه سنة ٤٨٥ هـ، بدأت الدولة بالضعف بسبب الصراعات الداخلية، حتى زالت تمامًا.
وكان للوضع السياسي والأحوال العامة في عصر السلاجقة، خصوصًا في عهد ملكشاه وسنجر، تأثير بالغ على العلوم والأدب، وهذا التأثير واضح في النتاج العلمي والأدبي لتلك الفترة. ومن أبرز مفاخر ذلك العصر من الوزراء: خواجة نظام الملك، ومن العلماء والمفكرين: الغزالي، وتمهيد هذه المقدمة ضروري لفهم سيرة حياته.
وكان الغزالي معاصرًا لمعظم سلاطين السلاجقة، إذ وُلد في أواخر عهد طغرل وتُوفي في زمن سلطان محمد (المتوفى سنة ۵۱۱ هـ). وكان السلاجقة عامةً يُجلّون الغزالي ويُعظّمونه، ويعدّونه أعظم عالم وفقيه في زمانه. وكان هذا الاحترام في محلّه، إذ إنّ للغزالي على كبار هذه الأسرة حق التربية والخدمة، وكان أحيانًا يستعمل معهم لهجة شديدة وعِتابًا أبويًّا في سبيل تربيتهم.
ميزات عصر الإمام الغزالي:
يتميّز عصر الإمام الغزالي، أي من منتصف القرن الخامس إلى أوائل القرن السادس الهجري، بعدّة خصائص تميّزه عن غيره من العصور التاريخية:
أولاً: كثرة العلماء والأدباء في كل مدينة، ووفرة التأليف والتصنيف؛ ففي هذا الزمان كانت المدارس الإسلامية قائمة على أكمل وجه، وكان أصحاب الذوق والاستعداد مشغولين بالتحصيل والتأليف والتصنيف. وقد انتشر تعلّم الآداب والعلوم، لا سيّما المعارف الدينية كالفِقه والأصول والحديث والكلام والحكمة الإلهية، فبلغت هذه العلوم منزلة عالية لم تُدرك إلا نادراً في غيره من العصور.
ثانيًا: ازدهار الدين الإسلامي، لا سيما مذهب أهل السنة، فقد كان خلفاء بغداد وكذلك سلاطين السلاجقة ورجال الدولة ووجهاؤها، كخواجة نظام الملك، يدعمونه بكل ما أوتوا من قوة.
ثالثًا: انتشار المناظرات والمجادلات الدينية، وظهور التيارات الفكرية، وشدّة المشاعر والتعصّبات المذهبية.
وبسبب هذه الخصائص السابقة، يجب أن يُطلق على عصر الغزالي اسم العصر العلمي والأدبي أو العصر الديني والمناظري.
عهد الغزالي والحروب الصليبية
كانت من الأحداث المهمة التي وقعت في عهد الغزالي والتي شغلت جميع البلاد والممالك الإسلامية، هي الحروب الصليبية التي استمرت حوالي مئتي عام، من سنة ٤٨٩ إلى ٦٩٠ هجري، وكانت تختلف بين شدة وضعف. وبسبب هذه الفتنة العجيبة، كان يحدث كل عام حادث جديد في البلاد الإسلامية. وقد دوّن معظم هذه الأحداث ابن الأثير في كتابه «الكامل»، واليافعي في «مرآة الجنان»، والذهبي في «دول الإسلام».
وفي زمن ظهور هذه الحادثة، كانت بلاد الروم تحت سيطرة السلاجقة في آسيا الصغرى، وكان قلج أرسلان (٤٨٥-٥٠٠ هجري) يحكم تلك المناطق، وكان يحكم المستعلي بالله الفاطمي (٤٨٧-٤٩٥ هجري)  مصر وغيرها من بلاد الخلافة الفاطمية، وكان المستظهر بالله العباسي (٤٨٧-٥١٢ هجري) الخليفة والحاكم في أراضي الخلفاء العباسيين، وكان أبو المظفر بركيارق (٤٨٧-٤٩٨ هجري) ومحمد بن ملكشاه السلجوقي (٤٩٨-٥١١ هجري) يحكمان معظم بلاد إيران، وكان حسن صباح (٤٨٣-٥١٨ هجري)  مستقراً في الموت وكان يسيطر على أجزاء من شمال وشرق إيران وكان منشغلاً بالتنظيمات.
وتعرضت بيت المقدس التي استولى عليها تاج الدولة تتش بن الب أرسلان، مؤسس السلجوقية في سوريا، وسلمها إلى الأمير سقمان بن ارتق التركماني (المتوفى ٤٩٨ هـ)، حوالي سنة ٤٨٩ هـ (الموافق ١٠٩٦ م) لهجوم الحروب الصليبية. وفي سنة ٤٩٣ هـ وقعت إحدى الحروب الصليبية وهزم النصارى على يد المسلمين. وفي سنة ٤٩٤ هـ، في الوقت الذي كان فيه الدعوة الفاطمية تنتشر في بلاد العراق وجبل، استولى النصارى على بلاد الشام من المسلمين، وفي سنة ٤٩٧ هـ هاجموا حران، فقاتلهم الأمير سقمان.
وفي نفس الوقت الذي بدأت فيه الحروب الصليبية، كان الإمام الغزالي رحمه الله في نطاق هذه الفتنة منشغلاً بالزهد والذكر والتأمل، وكان يعمل بسلاح الفكر وقوة العقل، كما يليق بمن هو مثله، ويسعى من أجل راحة البشرية ضد الحرب والاضطراب.
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version