الكاتب: أبوالنصر الزرنجي

عشرون قولًا، عشرون وجهًا مشرقًا

(الجزء الأول)

 

الإمام الغزالي رحمه ‌الله
المقدمة
إن الله قدم الإسلام إلى البشرية على أنه الرسالة الأخيرة، بشكل كامل وشامل عن طريق نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أعلن ذلك بقوله: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا»، ودين الله تعالى دينٌ كاملٌ وخالد، لا يفقد نضارته ولا طراوته أبداً، بل يبقى نابضًا بالحيوية في كلّ عصرٍ وزمان، وقد جعل الله في هذا الدين من الصلاحية ما يُمكنه من قيادة العالم في كلّ الظروف، ومواكبة تحوّلات المجتمعات البشرية في كلّ مرحلة من مراحل التاريخ، وهذه الحقيقة ليست مختفية على أحد، فإن تاريخ الأمة الإسلامية مملوء بالتحوّلات والتقلّبات، لأن الإسلام دين عالمي، وهو خاتم الديانات الإلهية، والأمة الإسلامية أمة عالمية، وهي خاتمة الأمم، ومن الطبيعي أن تكون على تواصل مع مختلف المجتمعات والشعوب، وأن تواجه تحدّيات لا تحصى ولا تعد، والتي لم تواجهها أمة أخرى في تاريخ البشرية،  وحياة هذه الأمة مفعمة بالتغيّرات والثورات، وتتنوع أحوالها تنوّعًا لا مثيل له عبر مختلف العصور.
ومنذ البداية فقد لاقى هذا الدين هجمات على مبادئه وأسسه التي قلما يوجد مثالها في المذاهب الأخرى، ولم تلق تلك الأديان هجمات مثل ما لاقى الإسلام من هذه الابتلاءات، فالأديان الأخرى في الفترة التي وجدت أدوار من الفتوحات والانتصارات لم تصمد على الأغلب أمام أدنى الهجمات وأصبحت سريعًا  هباء منثورًا في المواجهة مع أعداءها، لكن دين الإسلام كان مختلفًا تمامًا حيث بقوة فكره وعقيدته، غلب على كافة خصومه ولا يزال  باقيًا في العالم على صورته الأصلية  والثابتة، والسب في هذا يعود إلى وجود رجال عظماء ربّاهم الله تعالى لهذه الأمة طوال التاريخ ليقوموا بإحياء روح الإسلام في الظروف الصعبة، ويكسروا طلسم عبادة العقل، ويبعثوا في الإسلام قوة وحركة جديدة، فهم رجال أثاروا بإيمانهم ومعنويتهم المتجددة دافعًا جديدًا في المسلمين، وكان هؤلاء أبرز الأشخاص من حيث العلم والتفكر والأخلاق الروحية في عصرهم و مثل اليد البيضاء وقفوا ضد أي ظلمات الجاهلية والضلالة، فمزّقوا حجب الظلام وكشفوا عن الحقائق.
وقد تم ريّ شجرة الإسلام القوية وحفظها، بفضل وجود هؤلاء الرجال الكبار، خلال الفترات المختلفة من التاريخ، وفي الظروف الحافلة بالخطرات، فحافظت على نضارتها دائمًا، أولئك الرجال الأعلام الذين زيّنوا صفحات تاريخ الإسلام بشجاعتهم ضد كل تهديد وتحدّ، وعدد هؤلاء السادة من رجال الإسلام أكثر من أن يسعهم هذا المقال المختصر، ولذلك قرّرنا أن نسلّط الضوء على جوانب حياة بعض من هؤلاء العلماء الصادقين للأمة الإسلامية، ونقدّمهم أمام القرّاء كنموذج من بين الكثيرين، رجاء أن يدرك القارئ بقراءة هذه النماذج عمق وقوة رجال الإسلام وتضحياتهم في مسير الحفاظ على روح الإسلام وأن يختار باطلاعه على التاريخ المضيء للعلماء وكبار الأمة الإسلامية قدوة من بينهم، يقتدي به في حياته.
الإمام الغزالي رحمه ‌الله
إن أبا حامد الغزالي، أحد النجوم اللامعة في سماء العلم والبصيرة، وهو فيلسوف وعالم دين بارز من خراسان، ويُعدّ من علماء الكلام على مذهب الأشاعرة، وعلى الرغم من ميوله الصوفية، فقد كان يتمتّع بموهبة فائقة في العلم والفلسفة، وقد أثبت الغزالي براعته في الفلسفة اليونانية من خلال معارضاته للفلاسفة، ولهذا يُعدّ من كبار فلاسفة الإسلام، ويُعرف من نوابغ القرن الخامس الهجري، وقد كان تأثيره على العلماء والمفكرين في العصور اللاحقة بالغًا، حتى إنّ الكثير منهم اهتموا بنقل آثاره ودراستها وتحليلها.
وفيما يتعلق بضبط اسم «الغزالي»، فقد اختلف المؤرخون والمترجمون في ذلك، فبعضهم كتبه بتشديد الزاي، بينما خفّفه آخرون. وقد ذهب مؤرخون وباحثون مثل ابن الأثير، وابن خلّكان، والذهبي، واليافعي، والسبكي، ومؤلف “شذرات الذهب” إلى أنّ كتابة اسمه بتشديد الزاي المنقوطة تتوافق مع عادة أهل خراسان في نسبة الأسماء، مثل: قصّار، وعطّار، وخيّام، وخبّاز، حيث يقولون: القصّاري، العطّاري، الخيّامي، الخبّازي.
الأسرة، والإسم والنسب والدراسة
هو حجة الإسلام، الإمام زين الدين، أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، المعروف بالغزالي. الإمام محمد الغزالي، شقيق الإمام أحمد الغزالي، من أهل طابران (وكانت طابران ونوقان مدينتين هامتين في طوس)، وُلد في طابران سنة ٤٥٠ هـ، الموافق لسنة ١٠٥٨ م، في أواخر عهد حكم طغرل السلجوقي.
كان أبوه محمد بن محمد رجلًا زاهدًا، صالحًا، تقيّا والذي لا يعلم شيئا من القراءة والكتابة. وكان مشتغلًا بحياكة الصوف، وكان يحب حضور مجالس الوعظ وخدمة العلماء والفقهاء والعُبّاد والزُهّاد. وكان يكتسب رزقه من كسبٍ حلال، وتوفِّي قرابة سنة ٤٦٥ للهجرة.
اختار والده أحد أصدقائه من أصحاب النزعة الصوفية، وهو أبو حامد أحمد بن محمد الراذكاني، وصيًّا عليه، وأسند إليه تربية ولديه محمد وأحمد، وكان الراذكاني رجلًا فقيرًا، زاهدًا، إلا أنه وفّى بالعهد وفاءً كاملًا، وفاءً لما بينه وبين والد الغزالي من صداقة ومشاركة في المشرب، فلم يُقَصِّر في تربية اليتيمين. فأنفق عليهما من التركة ما استطاع، حتى بلغا مرحلة تعلّما فيها القراءة والكتابة والمسائل الدينية ومقدمات العلوم الأدبية والشرعية، فلما لم يستطع الإنفاق عليهما، قادهما إلى مدارس الطلبة، لعلّهما ينالان من مخصصات الطلاب ما يعينهما على مواصلة طلب العلم، وكان الغزالي صاحب ذكاء حاد، فتعلّم العلوم الدينية والأدبية في طفولته على يد أحمد الراذكاني.
هذه النابغة البارز من طوس بلغ في شبابه مرتبة في العلوم أثارت حسد الكبار والصغار، وكان أستاذه إمام الحرمين أبو المعالي الجويني، وهو من أعظم علماء نيسابور وخراسان، يفتخر بوجود مثل هذا التلميذ في حلقته، وبين مئات من طلاب أبي المعالي، الذين كانوا جميعًا من علماء وأعلام القرنين الخامس والسادس الهجري، كالكيا الهراسي، وأبي المظفر الخوافي، وأبي المظفر الأبيوردي، وأبي القاسم الحاكمي، وأبي القاسم الأنصاري وغيرهم، كان الغزالي متفوقًا عليهم، وقد بلغ من المقامات العلمية ما جعله محل اعتراف بالأستاذية من الصديق والعدو على السواء. وبما أعطاه الله من فضل وعلم رفعه في زمانه، ونال مكانة رفيعة في بلاط السلاطين والوزراء، مثل السلطان ملكشاه السلجوقي ووزيره الشهير خواجة نظام الملك، فجلس على كرسي التدريس في المدرسة النظامية ببغداد، وهي من أعظم المدارس الإسلامية، وكان يحضر دروسه حوالي ثلاثمائة من أهل الفضل والعلم ينهلون من علمه.
لقد نال مكانة خاصة واحترامًا عظيمًا في بلاط الخلفاء العباسيين ببغداد، مثل الخليفة المقتدي بأمر الله والمستظهر بالله. حيث أحدثت أفكاره الجديدة والمبتكرة في العلوم السائدة في تلك الأونة، مثل الفقه والحديث وعلم الكلام والفلسفة، ثورة عظيمة، وخصوصًا في تفكيك آراء الفلاسفة ونقدهم، حيث قدّم الفلسفة بطريقة جديدة وغريبة،  فانتشر صيته شيئًا فشيئًا، وتجاوز حدود خراسان، موطنه الأصلي، ويصل إلى سائر البلاد الإسلامية القريبة والبعيدة.
يتبع…

الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version