الكاتب: خالد ياغي ‌زهي

حكم الاحتفال بليلة «يلدا» وتاريخها

(الجزء الثاني)

 

أهمية الاعتصام بهدي خير الأسوة والقدوة
إن الذين يجتنبون الخرافات ويتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم اتباعاً صادقاً هم أهل الفلاح في الدنيا والآخرة، لأنهم اقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلوه أسوتهم الحسنة، وأخذوا بسنّته وابتعدوا عن كل ما لم يكن في دينه أو خالف هديه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)[¹]
والذين يتبعون الرسول صلى الله عليه وسلم في كل شأن من شؤون حياتهم، يحبهم الله تعالى ويغفر لهم ذنوبهم: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[²]
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قدوتنا، وعلينا أن نتمسك بسنّته ونبتعد عن كل ما يخالفها؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»[³]
ومن ظنّ أن في الدين نقصاً يحتاج إلى إحداث أمور ومناسبات جديدة، فقد رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهمة الخيانة، إذ يعتقد أن الشريعة غير كاملة! ونحن نؤمن أن الله تعالى أنزل كل ما تحتاجه الأمة في دينها ودنياها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بلّغ الرسالة كاملةً غير منقوصة، كما قال الله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)[⁴]
فعلى المسلمين اجتناب جميع البدع والمحدثات، فلا حاجة لابتداع شيء في الدين أو نسب أمور إليه ليست منه؛ فإن ديننا كامل لا نقص فيه، ولا يحتاج إلى زيادة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً)[⁵]
أما الذين يتبعون أهواءهم ويقيمون احتفالات وأعياداً لا أصل لها في الدين، فهم داخلون في قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[⁶]
فتأمل حال من أعرض عن سنّة الرسول صلى الله عليه وسلم وتكاسل في تعلمها، ثم اتبع الأهواء وأعمالاً لم ترد في الإسلام أو نُهي عنها، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»[⁷]
ومن أعرض عن السنّة واتبع البدع والمحدثات فقد حُرم الهداية، ولا تُقبل منه الطاعات. قال الإمام الحسن البصري رحمه الله:«صَاحِبُ الْبِدْعَةِ لا تُقْبَلُ لَهُ صَلاةٌ وَلا صِيَامٌ وَلا حَجٌّ وَلا عُمْرَةٌ»[⁸]
وقال ابن عمر رضي الله عنه: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَإِنْ رَآهَا النَّاسُ حَسَنَةً»[⁹]
نعم، فكل ما لا أصل له في دين الله فهو بدعة مذمومة، ولو رأى الناس فيها خيراً أو عدّوها سبباً للمودة والاجتماع أو اعتبروها من عاداتهم وثقافتهم، فهي تبقى ضلالاً مرفوضاً.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم محذراً: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»[¹⁰]
فمن يبتغي الأدب والثقافة الحقيقية فليقتدِ بأدب وثقافة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي أكمل وأجمل من كل ما سواها، كما قال عليه الصلاة والسلام:«إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ»[¹¹]
فلنرجع في حياتنا كلها إلى حكم الشريعة، ولننظر ما قال الله ورسوله في كل أمر حتى نتّبعه، فخير الطرق هو طريق الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

[1] سورة الأحزاب، الآية ۲۱.
[2] سورة آل عمران، الآية ۳۱.
[3] النيسابوري، مسلم بن الحجاج، الجامع الصحيح المسمّى بـ صحيح مسلم، جـ۵، صـ۱۳۲، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة وردّ مُحدثات الأمور، رقم الحديث: ۴۵۸۹، الناشر: دار الجيل – بيروت، دار الآفاق الجديدة – بيروت.
[4] سورة آل عمران، الآية ۱۶۴.
[5] سورة المائدة، الآية ۳.
[6] سورة القصص، الآية ۵۰.
[7] النيسابوري، محمد بن إسحاق بن خزيمة، صحيح ابن خزيمة، جـ1، صـ۹۹، كتاب الوضوء، باب التغليظ في ترك المسح على الخفين رغبةً عن السنّة، رقم الحديث: ۱۹۷، الناشر: المكتب الإسلامي – بيروت، ۱۳۹۰هـ / ۱۹۷۰م.
[8] الآجري، محمد بن الحسين، الشريعة، جـ۱، صـ۱۴۸، باب ذم الجدال والخصومات في الدين، صاحب البدعة لا تُقبل له صلاة…، رقم الحديث: ۱۳۴، الناشر: مؤسسة قرطبة.
[9] العباد، عبدالمحسن، شرح سنن أبي داود، جـ1، صـ۸۶، باب ما جاء في لزوم السنّة، صحة مقولة «فلان سني مبتدع»، الناشر: دار القلم – بيروت.
[10] السجستاني، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، جـ4، صـ۳۲۹، كتاب السنّة، باب في لزوم السنّة، رقم الحديث: ۴۶۰۹، الناشر: دار الفكر – بيروت.
[11] النسائي، أحمد بن شعيب، سنن النسائي الكبرى، جـ1، صـ۵۵۰، كتاب صلاة العيدين، باب كيف الخطبة، رقم الحديث: ۱۷۸۶، الطبعة الأولى، ۱۴۱۱هـ / ۱۹۹۱م، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version