الكاتب: خالد ياغی‌ زهي

حكم  الاحتفال بليلة «يلدا» وتاريخها

(الجزء الثاني عشر)

 

 

سبب تحريم الاحتفال بلیلة «يلدا»
۲. الإسراف في المال والطعام
إن ليلة «يلدا» هي ليلة أول فصل الشتاء، وهي ليلة باردة قاسية، بينما يقضي الفقراء تلك الليلة دون مأوى لائق، أو طعام كافٍ وجيد، أو ملابس مناسبة، أو ماء دافئ، أو مكان دافئ للنوم! يمر عليهم الليل وهم يرتدون ملابس بالية وفي مكان بارد!
وفي هذه الليلة، تجتمعون أنتم حول موائدكم، بينما ينام هؤلاء الفقراء وحيدين بجوار جدران المدينة، يتجمدون من صقيع أول شهر «دي» (كانون)، ربما على كرتونة أو حصيرة صغيرة! في هذه الليلة تأكلون مختلف أنواع الفواكه والمكسرات والحلويات، بينما ربما لم يتناول الفقراء لقمة طعام واحدة طوال ذلك اليوم!
سبحان الله! كيف يهنأ لكم العيش وأنتم تعلمون بحال الفقراء والمحتاجين؟ وفوق ذلك، كيف تُسرفون وتُبذّرون وسط هذا الكم الهائل من الفقر؟ ألم تسمعوا قول الله تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)[1]؟
هل تُحبّون أن تكونوا إخوة للشياطين بتبذيركم وإسرافكم؟ في الوقت الذي تجتمعون فيه، بزعم طرد الشياطين بقشور ادعائكم، تجدون أنفسكم والشياطين مجتمعين على مائدة واحدة وفي مجلس واحد بسبب هذه المحرمات والإسراف والذنوب! لماذا تُهدرون كل هذا الطعام والفاكهة والمأكولات… وتأكلون نصفها وتلقون الباقي في القمامة؟ أو تستهلكون أكثر من حاجتكم الضرورية؟
اسمعوا ما يقول العليم الخبير سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)[2].
ذكر الله كل هذه الثمار ثم قال: لا تُسرفوا؛ لأنه سبحانه لا يُحبّ المسرفين! لماذا تشترون من الفاكهة والمكسرات والحلويات والحلاوة (القطن) وغيرها من المأكولات ما يزيد عن حاجتكم؟ ولماذا تشترون هذه الفواكه والمكسرات في غير موضعها وزمانها المناسب؟ هل تدركون أن شراء المكسرات والفاكهة والحلويات والقطن والحلوى وغيرها من المأكولات في ليلة «يلدا» أساسه الإسراف؟
ربما لا تعرفون تعريف الإسراف؛ يقول الراغب الأصفهاني: (السرف تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان)[3]. التجاوز في أي فعل هو إسراف، وإذا قمت بفعل في غير محله، فإنه يُعتبر تجاوزاً ويأخذ تعريف الإسراف أيضاً!
وقد قال الله تعالى أيضاً: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)[4].
إن الله تعالى نهى عن الإسراف والتبذير والزيادة حتى في سياق الزكاة والصدقة، فكيف بمسائل كهذه؟! يقول الله تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)[5].
لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن المسرفين يظنون دائماً أنهم يقومون بعمل جيد! يظنون أنهم بمسرفهم هذا هم أصحاب الكرم والسخاء، وأنهم يقدمون ويُنفقون بسخاء! يظنون أنهم نجحوا في توفير كل شيء لعائلاتهم! يظنون أن عملهم مقبول وليس فيه أي عيب أو خجل! نعم، المشكلة الأساسية هي أن عمل المسرفين يظهر دائماً بمظهر مُزيَّن في أعينهم: (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[6].
إن الأشخاص المسرفين يفتقرون إلى الثبات الشخصي ولا يستحقون المشورة، ولذلك لا ينبغي أبداً التشاور معهم أو قبول رأي منهم! يقول الله تعالى: (وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ)[7].
إن الله نهى عن الإسراف حتى في الإنفاق! فأين هم هؤلاء الذين يصفون أنفسهم بالسخاء لتبرير إسرافهم؟ الإسراف مذموم حتى في الإنفاق والصدقة والزكاة، فما بالك بهذه الأمور التافهة التي تُمارس في احتفال «يلدا» وأساسها مُشكل من المنطلق؟!
يقول الله تعالى في وصف عباده المختارين: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)[8].
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

[1] سورة الإسراء، الآية: ۲۷.
[2] سورة الأنعام، الآية: ۱۴۱.
[3] الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، الجزء الأوّل، الصفحة ۲۳۰، مادة «سرف»، الناشر: دار المعرفة، بيروت – لبنان.
[4] سورة الأعراف، الآية: ۳۱.
[5] سورة الإسراء، الآيتان: ۲۶–۲۷.
[6] سورة يونس، الآية: ۱۲.
[7] سورة الشعراء، الآية: ۱۵۱.
[8] سورة الفرقان: الآية: ۶۷.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version