في الجزء الأول من المقالة، ذكرنا بعضاً من هذه الأدوات. في هذا الجزء، نود أن نذكر بعضاً آخر من الأدوات والوسائل التي استخدمها المستشرقون لاستجلاب الشباب والمراهقين وغيرهم من طبقات الأمة الإسلامية إليهم، وكذلك التأثير عليهم.
الخطابة في الجامعات والمراكز العلمية:
الخطابة في الجامعات وتقديم الدروس في المجامع والمراكز العلمية هي إحدى الطرق التي يحقق بها الاستشراق أهدافه. ليست هذه الظاهرة حديثة، بل كانت موجودة منذ البداية وسوف تستمر في تهديد الأمة الإسلامية في المستقبل. يجب على شبابنا، خاصة الطلاب والأساتذة والمسؤولين، أن يكونوا يقظين وألا يغرر بهم أحد، وألا يسمحوا لأي شخص أن يخطب أو يقدم محاضرة للطلاب.
يكتب الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه «الاستشراق والمستشرقون» عن هذه الظاهرة قائلاً: من المؤسف جداً أن أخطر الأشخاص وأشد أعداء الإسلام، كانوا يُدعون إلى الجامعات في البلدان العربية والإسلامية مثل القاهرة ودمشق وبغداد والرباط وكراتشي ولاهور وعليكره، ليقدموا محاضرات عن الإسلام.
نشر المقالات في الصحف المحلية:
كتابة المقالات في الصحف المحلية أداة أخرى من أدوات المستشرقين. من خلال هذه المقالات، يروجون لأفكارهم ويعملون على نشر خططهم. في بعض الأحيان، يستأجرون بعض الصحف والمجلات لكتابة مقالات لصالحهم وتعزيز برامجهم.
يقول الدكتور عبد الرحمن عميرة في كتابه «الإسلام والمسلمون بين أحقاد التبشير وضلال الاستشراق» حول هذه الأدوات: «من أدوات الاستشراق نشر المقالات في الصحف المحلية في البلدان الإسلامية. من خلال هذه الطريقة، تمكنوا من استئجار العديد من الصحف لنشر مقالاتهم والترويج لأفكارهم».
تنظيم المؤتمرات العلمية:
من الطرق التي استخدمها المستشرقون لتنفيذ برامجهم وأهدافهم هي تنظيم المؤتمرات العلمية التي كانت غالباً ما تكون ذات طابع دعائي. هذه الجلسات كانت واضحة وملموسة كما يذكر العلماء والكتّاب.
استخدم المستشرقون هذه المؤتمرات كوسيلة لطرح أفكارهم ونظرياتهم وتعزيز التعاون بينهم. وقد عقدوا العديد من المؤتمرات التي شارك فيها مجموعات كبيرة من المستشرقين من مختلف المدن والجامعات، حيث تم مناقشة قضايا وموضوعات تتعلق بالشرق من كافة جوانبها.
كتابة الموسوعات:
من وسائل الاستشراق وطرقهم كتابة القواميس والموسوعات وغيرها من المصادر التي يمكن للباحثين الرجوع إليها عند إجراء البحوث. كتبوا هذه الموسوعات بعدة لغات، وقاموا بطباعتها وتوزيعها على نطاق واسع، وقد خصصوا ميزانيات ضخمة لهذا الأمر. للأسف، أصبح بعض المثقفين في مجتمعاتنا يعتبرون هذه الموسوعات مرجعاً ثابتاً، وقد بالغوا في استدلالاتهم بها.
يقول أحد العلماء في هذا الصدد: «من المؤسف أن هذه الموسوعات أصبحت مرجعاً للكثير من مثقفينا، حتى أنهم يعتبرونها حجة ودليلاً قاطعاً، وهذا يعكس جهلهم بثقافتنا الإسلامية وتخلفهم الداخلي».
الحركات الفكرية للمستشرقين
تم تصنيف المستشرقين من قبل الباحثين إلى عدة مدارس فكرية وعقائدية، وقد طرحوا آراء متنوعة حول هذه التصنيفات. قسم منهم أخذ التصنيف الموضوعي، بينما قام آخرون بتصنيفهم حسب تخصصاتهم.
فيما يلي أهم المدارس الفكرية التي يمكن أن نذكرها:
المدرسة الفكرية الفرنسية
تُعد المدرسة الفكرية الفرنسية واحدة من أبرز المدارس الاستشراقية من حيث غناها الفكري، وفرة أعمالها الأدبية، وكثرة الشروحات. ويعود هذا إلى العلاقة الطويلة بين فرنسا والعالم العربي والإسلامي، حيث كانت فرنسا حاضرة في معظم العلاقات بين العرب وأوروبا. هذه العلاقة جعلت المستشرقين الفرنسيين يوجهون اهتمامهم إلى دراسة الشرق ويكثفون أبحاثهم في هذا المجال.
المدرسة الفكرية الإنجليزية
أهم ما يميز هذه المدرسة هو دقتها وتركيزها على دراسة الشرق، خاصة منطقة الشرق الأوسط والشرق الأقصى. كانت العلاقة بين بريطانيا والشرق قوية من الناحية الثقافية والسياسية والعسكرية والاقتصادية، وكان المستشرقون الإنجليز يهتمون بشكل خاص بالمناطق الجغرافية التي كانت تحت سيطرتها، مثل الخليج والعراق وفلسطين.
المدرسة الفكرية الألمانية
كانت الحروب الصليبية هي الدافع الأكبر لارتباط الغرب المسيحي بالعالم العربي والإسلامي. وقد بدأت أبحاث المستشرقين الألمان تزداد اهتماماً بعد أن لاحظوا أهمية دراسات الشرق. وكانت العلاقات السياسية والاقتصادية بين ألمانيا والدولة العثمانية قوية، لذلك أنشأت الجامعات الألمانية أقساماً ومراكز لدراسة اللغات الشرقية. في بداية القرن العشرين، شهدت الجامعات الألمانية زيادة كبيرة في اهتمامها بالأبحاث العربية والإسلامية.
مدارس استشراقية أخرى
نظراً للتغيرات الكبيرة التي حدثت في جميع المجالات السياسية والاقتصادية، من الممكن أن تظهر مدارس فكرية جديدة ليست مشابهة للمدارس القديمة. هذه المدارس قد تكون ذات طابع سياسي في المستقبل، والنظام العالمي الجديد سيزيل المفاهيم القديمة لتحل محلها مفاهيم جديدة.
المستشرقون في تصنيف آخر
كتب الدكتور علي حسني الخربوطلي في كتابه «المستشرقون» عن المستشرقين واصفاً إياهم إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
المستشرقون المعتدلون: هؤلاء هم المستشرقون الذين خصصوا حياتهم لدراسة الاستشراق بشكل علمي وأمانة، رغم أن بعضهم دفع ثمن ذلك من حياتهم، إذ تم سجن بعضهم وأصبح آخرون في حالة من الفقر الشديد.
المستشرقون المجحفون: هؤلاء يتعرضون للإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم ويهجمون على الحضارة الإسلامية والعربية. بعضهم يصل إلى درجة لا يمكن التغاضي عنها بسبب سوء نواياهم وأعمالهم.
المستشرقون المجحفون دون قصد: هؤلاء ارتكبوا أخطاء في حق الإسلام والحضارة الإسلامية، لكن أخطاءهم لم تكن مقصودة، وعادةً ما تكون هذه الأخطاء أقل سوءًا من تلك التي ارتكبها المستشرقون المجحفون عمداً.
في الختام، أود أن أضيف بعض الملاحظات التي هي خلاصة هذا المقال. لا شك أن المستشرقين يبذلون جهدهم لتشويه ديننا، وهذا جزء من عداءهم القديم للإسلام والمسلمين. لكن يجب علينا أن نعي أننا أيضاً نتحمل جزءاً من المسؤولية. ضعفنا هو الذي أعطاهم الجرأة لمواصلة هجومهم علينا. وقد ذكّرنا الله سبحانه وتعالى بذلك في القرآن: «وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ» (البقرة: ۱۲۰).
نعم، لقد كان هناك أيام في تاريخنا عندما خضع أعداؤنا للسلام أمام قادة المسلمين، ولكن الآن، يبدو أن الحال قد انعكس.
نقرأ في كتاب «الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري» للدكتور محمود حمدي زقزوق: علينا أن نعترف أن الاستشراق يستمد قوته من ضعفنا، ووجوده مشروط بعدم قدرة العالم الإسلامي على فهم ذاته.