الكاتب: أبو عائشة
الاستشراق والمستشرقون
(الجزء الثالث)
في هذا القسم، نودّ أن نتناول بعض الشبهات التي أثارها المستشرقون، وسنقدم إجابات مناسبة لكل منها:
الاستشراق والإسلام
الإسلام من منظور المنهج الإسلامي هو دين سماوي بدأ بالوحي الذي كان وسيلة التواصل بين الحقيقة الإلهية والطبيعة البشرية. محمد بن عبدالله هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم نزل عليه بواسطة جبريل عليه السلام. القرآن هو كلام الله تعالى، ولا يمكن أن يكون فيه أي باطل، وقد تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه. الإسلام هو الدين الذي اختاره الله تعالى وفضله على سائر الأديان، كما قال الله تعالى في القرآن الكريم: «إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ» [آل عمران: 19]
الإسلام هو دين أتمّه الله سبحانه وتعالى، وأكمل تشريعاته وأحكامه بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البشرية. كما قال الله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا» [المائدة: 3]
ولكن نظرًا لأن أعداء هذا الدين الكامل دائمًا ما كانوا يحاولون تشويه صورته والإساءة إليه، فقد تم طرح العديد من الاعتراضات والشبهات، وازدادت هذه الشبهات في عصر المستشرقين المعادين للإسلام، إلى حد أن البعض كتبوا كتبًا ضد الإسلام، وفي ما يلي، سنعرض بعضًا من هذه الشبهات مع الردود المناسبة.
الشبهة الأولى: ارتباط رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهود والنصارى
من الشبهات التي يطرحها أعداء الإسلام (المستشرقون المعادون) هي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على اتصال باليهود والنصارى وتعلم منهم دينه. على سبيل المثال، يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم سافر مرة مع عمه إلى سوريا، حيث التقى في بصرى برهبان النصارى وتعلم منهم علم التوراة. وفي بعض الكتب، يُذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم تعلم بعض المعتقدات المتعلقة بالآخرة من اليهود، بينما يقول البعض إنه تعلم من ورقة بن نوفل.
الرد على هذه الشبهة
إذا أردنا الرد على هذه الشبهة بشكل مختصر، نقول: لو أن بحيرا أو ورقة بن نوفل قد علّما رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من معتقدات النصرانية، لما آمن أحد من قريش به، لكن عندما نتحدث عن قضية البعثة والأحداث التي وقعت بعد الهجرة، ما هي علاقة بحيرا الذي توفي قبل البعثة، أو ورقة بن نوفل الذي توفي قبل الهجرة بحوالي 12 عامًا، بهذه الأحداث؟
من الغريب أن أعداء الإسلام يحاولون إنكار أن الإسلام هو دين سماوي نزل من عند الله، ويزعمون أن الإسلام هو مجرد مزيج من الديانات السابقة، مثل اليهودية والنصرانية.
لكن في الحقيقة، الدين الإسلامي ليس مجرد نسخة من هذه الديانات. فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم جاء بعد الأنبياء الآخرين، وكان يؤمن بكل الأنبياء من قبله.
الشبهة الثانية: الإسلام ضد العلم والفلسفة
من الشبهات التي يطرحها المستشرقون هو أن الإسلام يعادي العلم والفلسفة. على سبيل المثال، يكتب أحد المستشرقين، إرنست رينان، قائلاً: «الإسلام حارب العلم والفلسفة»، بينما يقول آخر: «إذا تم إخفاء القرآن ومدينة مكة عن العرب، فإنهم سيكونون قادرين على السير في طريق حضاري بعيد عن ما أراده محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه».
الرد على هذه الشبهة
من الغريب أن هؤلاء المستشرقين يزعمون أن الإسلام يحارب العلم والفلسفة. يجب أن نلاحظ أن أول كلمة نزلت في القرآن هي «اقْرَأْ»، وهذه الكلمة تؤكد على أهمية العلم والتعلم.
كما حث الله سبحانه وتعالى عباده على التأمل والتفكر في مخلوقاته، حيث يقول في القرآن:
«قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [العنكبوت: 20]
لقد فرض الإسلام على كل مسلم أن يطلب العلم، سواء كان عالمًا أو متعلمًا. وعند قراءة تاريخ الإسلام، نجد أن العلم انتشر في أقصر فترة ممكنة، وبدأ تأثيره في أنحاء الأرض.
كانت هناك حضارة علمية عظيمة ازدهرت بفضل الإسلام، حيث أنتج علماء في مختلف المجالات الذين كتبوا أسماءهم في صفحات التاريخ. حتى الغربين المنصفين يعترفون بذلك، ويكتبون كتبًا تشير إلى إنجازات الحضارة الإسلامية في مختلف العلوم.
الاستشراق والقرآن الكريم
موقف الاستشراق والمستشرقين من القرآن الكريم واضح وجلي؛ فهذه الفئة منذ البداية اتخذت موقف العداء والإنكار تجاه القرآن الكريم، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لهم لغاياتهم الاستشراقية. ولهذا السبب، فإن سائر جهود مخالفِي الإسلام، قديمهم وحديثهم، كانت ترمي إلى زعزعة الإيمان والعقيدة بصحة القرآن ومصدره، وقبلهم قاوم الجيل الأول من الجاهلية (الأصنام والمشركون) فكرة أن القرآن وحي من الله تعالى، وظنوا أنه: «إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ» [الفرقان: ٤]؛ وقالوا في موضع آخر: «أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» [الفرقان: ٤]؛ وفي موضع آخر قالوا إن بشرًا علّم هذا القرآن للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم): «يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ» [النحل: ١٠٣]؛ وقد رد القرآن الكريم كل هذه الادعاءات، وفي جواب الافتراء الأول والثاني قال: «قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا» [الفرقان: ٦]؛ و رد على الافتراء الثالث قائلاً: «لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ» [النحل: ١٠٣]؛ وعندما نرجع إلى الكتب التي كتبها المستشرقون بشكل عام، نجد أن المقاومة والوقوف في وجه القرآن وإنكار مصدره الرباني كان موقفًا متفقًا عليه بينهم، وهم يعتقدون أن القرآن من عند محمد صلى الله عليه وسلم ذاته، وهذا الرأي قد نشأ بسبب التعصب والعداء للقرآن وللنبي محمد صلى الله عليه وسلم نفسه.
وقد بذل المستشرقون جهداً في إثارة الشكوك في جانبين من القرآن: أولاً: الجانب الإلهي في القرآن؛ ثانياً: إثارة الشكوك حول الروايات المتعلقة بجمع القرآن، ونسخه، وقراءاته.
ومن أبرز الأشخاص الذين حاولوا إثارة الشكوك في نص القرآن هو المستشرق «جولد تسيه»الذي يصف النص القرآني بالاضطراب وعدم الثبات في كتابه «مذاهب التفسير الإسلامي»، ويدعي أن في عباراته تعصبًا وانحيازًا واضحًا. ويكتب في كتابه: «ليس هناك كتاب تشريعي اعترفت به جماعة دينية بصورة جماعية على أنه نص مُنزّل أو وحي، ثم وجد فيه هذا القدر من الاضطراب وعدم التناسق مثل الاضطراب وعدم التناسق الذي نشاهده في القرآن».
جواب الشبهة
«جولد تسيهر» يعتقد أن في النص القرآني اضطرابًا، وهذا القول يخالف الواقع؛ لأن النص القرآني من أقوى النصوص من حيث الدقة، وأرفعها من حيث الصحة. لم يستطع أي نص من نصوص الكتب القديمة أو الحديثة أن يقدم الخدمة التي قدمها النص القرآني، ولم يصل أي نص من حيث الثبوت إلى القطعية واليقينية التي توصل إليها النص القرآني. لعل قصد «جولد تسيهر» من هذا الاختلاف هو تعدد القراءات، ولكن القراءات ليست هي الأحرف السبعة كما هو معروف، واختلاف القراءات لا يعد اختلافًا في النص، بل هو عبارة عن كيفية الأداء ولا يُخل بالمعنى، ولا يخرج عن مقتضى الرسم القرآني.
شبهة
يعتقد المستشرقون أن معارف القرآن مقتبسة من التوراة والإنجيل. يقول الفرنسي «رجي بلاشر»: «التشابه الموجود في القصص القرآنية مع القصص اليهودية والمسيحية يدل على أن القرآن كتاب من صنع البشر ومتأثر بالعوامل الخارجية؛ خاصة في السور المكية يتضح تمامًا أنه متأثر بمعارف المسيحية».
جواب الشبهة:
مقارنة خاطئة بين القرآن والكتب الأخرى: في النظريات التي يقارن فيها بعض المستشرقين القرآن بكتب العهدين ويقولون بالتحريف، فإن هذه النظريات تُظهر أنهم قد أقروا بأن التوراة والإنجيل ألفاظ بشرية، ولكن قبول هذا الأمر لا يستلزم أن تكون الكتب المقدسة لجميع الأديان ألفاظًا بشرية. بعبارة أخرى، وجود بضعة كتب مقدسة مثل التوراة والإنجيل التي هي ألفاظ بشرية، لا يعني بتعميم خاطئ ومغالطة بأن كل كتاب سماوي هو ألفاظ بشرية؛ في الحقيقة، التوراة والإنجيل نفساهما قد نزلا بالوحي، ولكن لاحقًا تم تحريف هذين الكتابين وشريعتهما؛ ولذلك، فإن وجود التحريف في الديانة المسيحية، وكذلك اعتراف أغلبية المفكرين المسيحيين، وحتى اعتراف الكتاب المقدس نفسه بهذا الأمر، بأن هذه الكتب قد حُرِّفت على يد البشر بعد ظهور عيسى عليه السلام، هو أمر مسلم به ومقبول.
إن القرآن الكريم يتمتع بهذه الميزة الوحيدة والفريدة التي تم تناقلها عبر ١٤ قرنًا دون أي تحريف أو تغيير، وانتقلت من جيل إلى جيل؛ ولكن هذا الوضع وهذه الميزة لا وجود لها على الإطلاق فيما يتعلق بالعهد القديم للتوراة؛ لأن المفسرين المعاصرين والشراح الجدد لم يعترفوا بصحة وأصالة أي من كتب التوراة باستثناء إرميا، والعهد الجديد للإنجيل ليس وضعه أفضل من التوراة؛ لأن الكثير من أخبارها تم حذفها في «مجمع نيقية» وما تبقى من الروايات الموجودة في الأناجيل الثلاثة “متى، مرقس، ولوقا” لا تزال في دائرة الشك والتردد.
الاستشراق وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالإضافة إلى مناقشة الاستشراق وكيفية تعامل المستشرقين مع الإسلام والقرآن، نتناول هذه المرة موضوع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وادعاءات بعض المستشرقين في هذا الشأن.
ادعاء الغموض في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
يدعي العديد من المستشرقين أن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم تتسم بالغموض والتعتيم، ويعتقدون أنه باستثناء بعض الروايات، لا يوجد دليل آخر على بيان سيرته وحياته. هذا في حين أن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياته واضحة جدًا. إذا كان لدى الشخص أدنى معرفة بالثقافة والتاريخ، فسوف يدرك تمامًا أن سيرة شخصية مثل النبي صلى الله عليه وسلم، الذي ينتمي إلى أشهر قبائل قريش وأشهر عائلة، لن تظل مخفية أبدًا. حتى الشخصيات التي كانت أقل مرتبة منه، مثل الشعراء أو الخطباء أو قادة القبائل، توجد روايات عديدة عن حياتهم؛ فما بالك بالنبي صلى الله عليه وسلم سيد العالمين ومحبوب رب العالمين.
هذه المجموعة من المستشرقين، بسبب كراهيتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وللدين الإسلامي، يريدون أن يجعلوا الناس متشائمين بشأن سيرة وحياة الرسول صلى الله عليه وسلم أو أن يثيروا الشكوك حول جزء من حياته. في المقابل، هناك أيضًا كتاب ومستشرقون منصفون وباحثون عن الحقيقة كتبوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم واعترفوا بحقيقته.
الرد على شبهات المستشرقين حول سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
من خلال البحث والدراسة في كتب الاستشراق وأعمال المستشرقين، يتضح أن شبهات هذه المجموعة كثيرة جدًا ولا يكفي للرد عليها مقال واحد أو عدة مقالات، ومع ذلك، نظرًا للجهود الكبيرة التي بذلها علماء الأمة والباحثون المسلمون في الرد على هذه الشبهات، فمن المناسب تقديم بعض الكتب المهمة والمفيدة في هذا الشأن:
-
السنة النبوية ومكانتها في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى السباعي.
-
الحاد نوین باتلاق رنگین (الإلحاد الجديد مستنقع ملون) في أربعة مجلدات للمؤلف مراد يوسفي.
-
الإسقاط في مناهج المستشرقین والمبشرین للدكتور شوقي أبوخليل.
