الكاتب: أبو عائشة
من هم المعتزلة؟
(الجزء الرابع)
مقدمة
لا شك أن الترتيب بين القواعد والأصول والفروع يتمّ على هذا النحو: تُذكر الأصول أولًا، ثم تُبنى عليها المسائل الفروعية. في القسم السابق من هذا المقال، تطرّقنا إلى أحد الأصول الخمسة (وهو التوحيد) مع المسائل المتعلقة به، ونظرًا لأن التوحيد يُعدّ بمثابة الأساس والركيزة للعدل، فقد ذُكر قبله. وفي هذا الجزء، نسعى لشرح مسألة «العدل» من وجهة نظر المعتزلة، وكذلك من وجهة نظر أهل السنة والجماعة، مع كل المسائل العامة والفرعية المرتبطة به، مثل: إثبات أو نفي القدر، خلق أفعال العباد، مسألة التولّد، مسألة «وجوب الصالح والأصلح على الله»، ومسألة إدراك الثواب والعقاب: هل يكون بالعقل أم بالشرع؟
وقبل أن ندخل في الأصل الثاني عند المعتزلة، نعرض بعض النقاط المتعلقة بـالصفات
إنكار صفة الكلام
في الجزء السابق ذكرنا أن المعتزلة – لأسباب معينة – يُنكرون بعض صفات الله تعالى، مثل السمع والبصر. ومن الصفات التي ينكرونها أيضًا: صفة الكلام.
المعتزلة يعتقدون أن صفة الكلام هي من الصفات المخلوقة، وكل ما هو مخلوق، لا يجوز نسبته إلى الله تبارك وتعالى. لذلك، أنكروا أن الله تعالى قد تكلّم، وفسّروا (أو أولوا) كلام الله مع موسى بأن الله خلق كلامًا في الشجرة، أي إن الله خلق كلامًا في شيء آخر.
وهم يرون أن الله تعالى كما يخلق الأشياء الأخرى، يخلق أيضًا الكلام. وعلى هذا، فهم متفقون على أن الله تعالى يُوصف بكونه «متكلّمًا»، لكن الكلام مخلوق، ولا يُنسب إليه على الحقيقة، كما لا تُنسب إليه حقيقةً المخلوقات الأخرى التي يخلقها.
بل تجاوزوا هذا الحدّ، فاتفقت كلمتهم على أن كلام الرب مركب من الحروف والأصوات، وأنه حادث ومخلوق.
لكن هذا الرأي يخالف كلام الله تعالى الصريح، حيث قال عزّ وجلّ: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا).
قال الإمام القرطبي رحمه الله: «كلمة تَكْلِيمًا مصدر يُفيد التوكيد، وهي تدل على بطلان قول من زعم أن الله خلق كلامًا في الشجرة، وسمعه موسى عليه السلام، بل الكلام هنا حقيقي، يُنسب إلى الله على الحقيقة».
ثم نقل كلام النحوي النحاس، حيث قال: «العلماء النحويون متفقون على أن الفعل إذا أُكِّد بمصدره (المفعول المطلق)، فإن المقصود يكون المعنى الحقيقي لا المجازي«، أي أن التكليم وقع فعليًا، وتكلّم الله تعالى مع موسى حقيقةً، ونال موسى عليه السلام هذا الشرف العظيم».
ثم قال: لأن استخدام المصدر «تكليمًا» يعني أن الكلام يجب أن يكون كلامًا حقيقيًا يُدرك بالعقل.
الأصل الثاني: العدل
العدل هو الأصل الثاني من أصول المعتزلة الخمسة.
والصلة بين هذا الأصل وسابقه (التوحيد) أن موضوع العدل عند المعتزلة يتعلق بأفعال الله تعالى، وتُناقش الأفعال بعد إثبات الصفات، لذلك ذكروا العدل بعد التوحيد، لأن العدل مبنيٌّ على التوحيد.
قال القاضي عبد الجبار: »الأصل الثاني من الأصول الخمسة هو بحث العدل، وهذا البحث يتناول أفعال الله الأزلية، وما يجوز وصفه بها، وما لا يجوز. ولهذا رأينا من المناسب أن نذكر العدل بعد التوحيد».
وقال ابن منتويه في شرح ترتيب ذكر التوحيد والعدل: الأصل أن ما يجب العلم به أولًا هو التوحيد، ثم بعده يُذكر العدل، وذلك لأمرين: لأن معرفة العدل تعني معرفة أفعال الله، ولا بد من العلم بذات الله أولًا قبل مناقشة أفعاله التي تأتي بعد التوحيد.
لأن المعتزلة يستدلّون لإثبات عدل الله تعالى بصفتي العلم والغنى، وهاتان الصفتان تُعدان من مباحث التوحيد؛ ولذلك يجب أن يسبق التوحيدُ العدلَ.
نفي القدر (المسمّى بالعدل عندهم)
من أصول المعتزلة كذلك: نفي القدر (والذي يسمونه هم «العدل»)، وقد نشأ هذا القول عندهم بسبب قياسٍ فاسد، حيث قاسوا عدل الله على عدل البشر.
وهذا القول قادهم إلى القول بأن أفعال العباد مخلوقة لهم أنفسهم، ولا يجوز نسبتها إلى الله تعالى، بل ذهب بعضهم إلى أن الله عاجز عن خلقها! لأن الله تعالى – بزعمهم – لا يقدر على الظلم، ولا يريده، لأنه لا يُحبّ الظلم ولا يرضاه.
وبناءً على هذا، زعموا أن الله يجب عليه أن يختار لعباده الخير والصلاح!
كما يعتقدون أن البشر قادرون على إدراك الخير والشر، الحسن والقبيح، باستخدام العقل فقط، دون الحاجة إلى الشريعة، لأن الحُسن والقُبح – بحسب رأيهم – موجودان في ذات الأفعال (أي: صفات ذاتية).
وبناءً عليه، فإن الإنسان يُحاسب على أفعاله وأقواله سواء كانت خيرًا أو شرًّا، لأنها ناتجة عن إرادته وإدراكه العقلي، لا على أساس ورود أمر شرعي.
تعريف العدل
العدل في اللغة مشتق من قول: «العدل عدل»، وهو ضد الظلم والجور، وكل ما فيه خير وصلاح في النفوس
العدل اصطلاحًا: قال الجرجاني في تعريفه الاصطلاحي: «العدل أمرٌ وسط بين الإفراط والتفريط». وقال بعضهم: «إعطاء الحقوق الواجبة والمساواة بين المستحقين». وأما العدل الإلهي، فينبغي أن يقال: العدل الإلهي أمرٌ لا ينكره مسلم، فكلهم متفقون على أن الله تبارك وتعالى هو الحاكم العادل، الذي لا يظلم أحدًا أدنى ظلم، وقد بالغ المعتزلة في هذا الأمر كثيرًا، حتى أدى بهم هذا الغلو إلى ما خالفوا فيه أهل الحق.
الصفات المتعلقة بمبدأ العدل
يقول القاضي عبد الجبار في كتابه «الأصول الخمس»: (إذا سُئلت عن العدل، فما هو؟ فالجواب: هو العلم بتنزيه الله تعالى عن كل قبح، وأن جميع أفعاله حسنة وجميلة. وبيان ذلك أن تعلم أن جميع أفعال العباد من ظلم وجور ونحوهما لا تجوز على خلق الله تعالى، ومن نسب هذه الصفات إلى الله تعالى فقد نسب إليه الظلم والجهل، وبُعد عن كلمة العدل.
ينص صاحب موسوعة «ماذا تعرف عن الخلافات والمذاهب؟ « على مبدأ العدل: «يعتمد المعتزلة على الدليل إذا وافق مقاصدهم ومقاصدهم واحتجوا به، وإذا خالف مقاصدهم ومقاصدهم وأهوائهم خالفوه. وقد أدى ذلك إلى عدة مسائل أخرى، وهي: إنكار القدر؛ خلق أفعال العباد؛ الولادة؛ الصالح والصالحة؛ الثناء والذم. في هذه المقالة، نحاول شرح المسائل المتعلقة بهذا المبدأ من وجهة نظر أهل السنة والجماعة والمعتزلة، مع ذكر أسباب كلا الطرفين.
إنكار القدر والقضاء
يكتب مولانا محمد طاهر مسعود، مؤلف كتاب «عقيدة أهل السنة والجماعة»، في كتابه عن المعتزلة: إن إنكار الاعتقاد بالقدر یکمن فی الاعتقاد بالعدل؛ لأنهم يقولون: إن الله ليس خالق الشر؛ لأنه إذا اعتبرنا الله خالق الشر؛ فإن معاقبة الأشرار ظلم، والظلم مناقض للعدل، بينما الله عادل غير ظالم. تقول المعتزلة: إن صفة العدل تقتضي ألا يُحاسب أحد إلا على ما ارتكبه؛ أما فيما يُجبر عليه أو ما يُجبر عليه نفسه، فلا سبيل إلى محاسبته ومعاقبته. فكما أن الظالم ظالم، والظالم شرير، فإن الله تعالى على نقيض ذلك؛ كما قال هو نفسه: {وَمَا ظَلَمْنَا رَبُّكَ لِلْعِبَادِ}. وفي موضع آخر يقول: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}. هذا لأن الله تعالى لم يقضِ على عباده شيئًا ولم يقرر لهم شيئًا في الأبدية؛ بل العباد مخيرون في أفعالهم وأحرار في عملهم بكل إرادتهم ورغبتهم. ليس لإرادة الله أي دور في أفعال العباد؛ لأن هذا المفهوم يبرر الثواب والعقاب؛ لأن الله تعالى عادل. كان أول من ناقش وجادل في «القدر» رجلاً من أهل البصرة، وكان «بقالًا» اسمه «سنسوية». قال الإمام الأوزاعي (رحمه الله): «أول من ناقش وجادل في «القدر» رجل من أهل العراق يقال له سوسن. كان نصرانيًا قبل ذلك، ثم أسلم، ثم عاد إلى النصرانية، فأخذه منه معبد الجهني، والغيلان من المعبد».
أدلة أهل السنة في إثبات القضاء والقدر
الإيمان بالقدر من أصول وأركان الإيمان الأساسية التي لا يتم إيمان العبد بدونها، ولا يخفى على أحد أهمية ومكانة القضاء والقدر في الإسلام. في هذا الموضوع توجد آيات وأحاديث كثيرة، وسنذكر منها بعضاً فيما يلي:
الآيات القرآنية:
-
(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)
-
(وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا)
-
(وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا)
-
(وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا)
هذه بعض الآيات التي تتحدث عن التقدير الإلهي.
أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم:
-
روى الإمام مسلم رحمه الله عن طاووس قال: «رأيت سبعين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: كل شيء بقضاء وقدر» وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والذكاء والدهاء أو قال: الدهاء والعجز».
-
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كتب الله مقادير الخلق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرش الله على الماء».
