الكاتب: أبو رائف

الاستعمار

(الجزء السادس)

 

بعد استعراض الاستعمار الاقتصادي الذي تمارسه الدول الغربية على دول الشرق الأوسط ومعظم الدول الإسلامية، نقوم الآن بتقييم المزايا والخصائص الاقتصادية للإسلام.
إن الدين الإسلامي الحنيف، باعتباره دين الفطرة والخلاص للبشرية، يمتلك في البعد الاقتصادي أيضًا برامج وخططًا بالغة الأهمية والخلاص.
من منظور الإسلام، الاقتصاد جزء مهم من حياة المجتمع البشري واحتياجاته ومكملاته، ويجب عدم الإفراط أو التفريط في هذا الجانب، بل يجب مراعاة الاعتدال والتوسط، بحيث يتم تقدير الجانب الفردي للأفراد ونموهم الاقتصادي، وكذلك إعطاء أهمية للمجتمع والعدالة الاجتماعية ووضع ضوابط اقتصادية للمجتمع.
وعليه، وبالنظر إلى أهمية هذا الموضوع، نستعرض مبادئ الاقتصاد الإسلامي فيما يلي:
  1. إلهية أساسات النظام الاقتصادي الإسلامي:
إن السمة الأبرز التي تميز النظام الاقتصادي الإسلامي وتمنحه الكمال والنضج هي استناده إلى القوانين التي وضعها رب العالمين. فهو سبحانه وتعالى، بعلمه المحيط بالاحتياجات الثابتة والمتغيرة، والقدرات والضعف الظاهرة والباطنة، والماضي والمستقبل لمخلوقاته، يضع هذه القوانين. وهذا التميز يضمن خلو أساساته من جميع عيوب ونواقص الأنظمة الوضعية البشرية.
  1. الإيمان بالملكية الفردية والعامة:
يؤمن الإسلام بالملكية الفردية ويسمح للأفراد بحرية التجارة وتجميع الثروة. لكن هذه الحرية ليست مطلقة كما في النظام الرأسمالي، حيث يكون الأفراد أحرارًا تمامًا ويفعلون أي شيء لتحقيق مصالحهم الشخصية. بل يضع الإسلام قيودًا على الأفراد تشمل: الموانع الشرعية والأخلاقية والحكومية.
  • الموانع الشرعية: يجب العلم أولاً أن الدين الإسلامي الحنيف وضع قيودًا دائمة وثابتة على الأنشطة الاقتصادية، وهي سارية المفعول في كل زمان، مثل: الربا، والقمار، والتخمين، واكتناز الثروة، والاحتكار، وغيرها من المعاملات الباطلة التي حرمها الإسلام تحريمًا قاطعًا؛ لأن هذه الأساليب تؤدي عمومًا إلى نشوء الاحتكار والفوضى في الاقتصاد. كما حرم الإسلام البيع والشراء وإنتاج كل ما يؤدي بالمجتمع إلى الانحلال ويثير الشهوات الداخلية لدى الناس ويمهد لهم طريق الكسب الحرام.
  • الموانع الحكومية: تضع الشريعة، بجانب موانعها الأبدية، موانع حكومية مؤقتة ومعتبرة في بعض الظروف. على سبيل المثال، يقول الفقهاء إنه عندما ينتشر مرض الإسهال، يمكن للحكومة أن تعلن منع بيع وشراء البطيخ، ويكون هذا المنع إلزاميًا حتى زوال هذا المرض.
  • الموانع الأخلاقية: الإسلام ليس مجرد نظام اقتصادي، بل هو دين تعاليمه تشمل كافة جوانب الحياة، بما في ذلك الجانب الاقتصادي. من وجهة نظر هذا الدين، الحياة الدنيا محدودة وقصيرة، وتعقبها حياة أبدية لا تنتهي. الهدف الأساسي للإنسان في هذه الحياة هو اتخاذ الحياة الدنيوية سلماً للوصول إلى الحياة الأخروية والسعي لتحسينها.
لذلك، فإن الحصول على المزيد من المال مقارنة بالآخرين لا يمكن أن يكون أسمى نجاح للإنسان، بل إن النجاح الأعظم هو السعي لخدمة الآخرين ونفعهم. لهذا السبب، لم يضع الإسلام أحيانًا أوامر إلزامية في المجال الاقتصادي، بل أصدر أوامر استحبابیة، وهذه هي مباحث الاقتصاد الإسلامي الأخلاقية.
في الإسلام، لا يوجد طغيان للنظام الرأسمالي الذي يمهد الطريق للأفراد والجماعات الصغيرة المدعومة بالقانون لنهب الممتلكات، حتى يتمكنوا من الاعتداء على حقوق الجماعات الأخرى، وبأدواتهم الذكية والمخادعة، يلعبون بحرية الآخرين ويسلبون ثمار جهودهم وعرق جبينهم بأقل من قيمتها المستحقة، أو يختلسون أموالهم بحيل اقتصادية خادعة.
يؤمن الإسلام بالملكية العامة أيضًا ويكرمها، ولكن ليس بالطريقة التي يؤمن بها النظام الاقتصادي للاشتراكية والشيوعية، حيث يجعلون العموم شركاء في أموال الأفراد. بل جعل الإسلام، من خلال طرح مباحث الصدقات والعُشر والزكاة وغيرها، سهمًا للعموم في أموال الأفراد.
في الإسلام، لا توجد أمور موجودة في النظام الاشتراكي مثل: نهب الأموال الفردية وإلغاء ملكيتها، والقضاء على الروح الفردية، وتقسيم الناس إلى ملوك متسلطين وعبيد مُروَّضين مقابل لقمة عيش.
  1. الإيمان بقانون العرض والطلب:
أحال الإسلام تحديد الأسعار إلى تقدير طرفي المعاملة، وهذا دليل على صحة قانون العرض والطلب واعتبره معيارًا لتحديد الأسعار. وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في هذا الصدد: «إن الله هو المسعّر، القابض، الباسط، الرازق».
كما أنه في زمن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، كان أحد سكان الأرياف يجلب محصوله الزراعي من القرية إلى المدينة للبيع، وكان أحد سكان المدينة يرغب في شرائه وبيعه بسعر أعلى في وقت لاحق. وكان النبي الأكرم (صلى الله عليه وسلم) يمنع أهل المدينة من هذا الفعل ويقول: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض».
بهذا السبب، منع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تدخل طرف ثالث بين البائع والمشتري للحفاظ على توازن “العرض” و“الطلب” في السوق. لأنه إذا باعه أهل القرية أنفسهم، فسيبيعونه مع مراعاة مقدار الربح، ولأنهم يريدون العودة إلى قريتهم بسرعة، فلن ينتظروا طويلاً في المدينة ولن يحتفظوا بالبضاعة لديهم، بل سيبيعونها بسعر عادل. أما إذا كان هناك طرف ثالث وقام بتخزينها، فإنه سيخلق ندرة مصطنعة، وبالتالي يختل نظام العرض والطلب الطبيعي.
يتبع…

الجزء السابق | الجزء التالي

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version