
الكاتب: محمد داود یوسفي "إسحاقزهي"
الإسلام والديمقراطية
القسم: 15
مقارنة بين النظام الإسلامي والجمهورية
ثبت من البحث السابق أن مزاج النظام الإسلامي ومقتضياته، ومزاج الجمهورية الغربية ومقتضياتها، مختلفان كل الاختلاف؛ لذلك نرى من المناسب هنا أن نقدّم خلاصة النظامين في صورة مقارنة موجزة:
في النظام الإسلامي تكون السيادة والحكم لله تعالى، وتُتخذ جميع القرارات فيه وفقًا للقرآن الكريم والسنة والأصول التي حدّدتها الشريعة المقدسة، وعلى خلاف ذلك، تكون في النظام الجمهوري سيادة الشعب وحكمه، وتُتخذ كل القرارات بناءً على أغلبية أصوات الشعب.
في الإسلام يُعدّ القرآن الكريم والأحاديث النبوية مصدرًا للقوة، ولهما الكلمة الفصل في اتخاذ القرارات، وعلى خلاف ذلك، يكون الشعب في النظام الجمهوري مصدر القوة، ويكون البرلمان هو الجهة التي تتخذ القرارات.
أصول الإسلام وقوانينه قطعية غير قابلة للتغيير، ولا تقبل النسخ، وعلى خلاف ذلك، يستطيع البرلمان في النظام الجمهوري أن يغيّر أو يلغي أي مبدأ أو قانون.
في النظام الإسلامي تُتخذ القرارات على أساس مبادئ الحق والعدل، وعلى خلاف ذلك، يكون أساس القرارات في الجمهورية رأي الأكثرية ورغباتها.
في النظام الإسلامي تُنجز الأمور المتعلقة بالنظام بمشورة أصحاب الرأي والشيوخ والعلماء، ويُنظر فيها إلى الأدلة والعقول والفكر والأعمال والسيرة، وعلى خلاف ذلك، في النظام الجمهوري، لا يُنظر عند تأييد أمر أو شخص ودعمه إلا إلى عدد الأصوات وعدد الأشخاص.
في النظام الجمهوري يُسعى إلى الفوز بأكبر عدد من الأصوات، وذلك بجذب أصوات عامة الشعب إلى الشخص نفسه وإلى حزبه، ومن أجل جذب أصوات الناس وأفكارهم إلى جانبه، لا بدّ من عدم إظهار الحق، بل أينما ذهب وأيًّا كان نوع الناس الذين يذهب إليهم، يصبغ نفسه بصبغتهم، حتى يحصل على أصوات أصحاب الأفكار المختلفة ومختلف فئات الناس، والنتيجة اللازمة لذلك هي زوال التمييز بين الحق والباطل، وتنمو في العاملين في الأحزاب المشاركة في النظام الجمهوري، نتيجةً لذلك، الأكاذيب، والدعاية الكاذبة، والتملق، وعدم الأمانة، وسائر أنواع الأخلاق السيئة، وعلى خلاف ذلك، فإن الإسلام يدعو إلى الحق من أوله إلى آخره، ويريد أن يكون جميع العاملين فيه من أهل الحق، والأمانة، والصدق، ويقدّم الإسلام للمجتمع حقًّا خالصًا لا يختلط به أي نوع من الباطل، ولا يحتمل في التعامل مع الحق مشاركةَ الباطل ولو بمقدار ذرة.
الإسلام يُصلح كل شيء، بدءًا من الفرد وانتهاءً بالمجتمع، ومن العقائد إلى العبادات والمعاملات والحياة الاجتماعية والاقتصاد والسياسة، ويزن كل شيء بالقيم الإيمانية والأخلاقية، وعلى خلاف ذلك، تقتصر عناية النظام الجمهوري على نظام الحكم، ولا علاقة له بإصلاح المجتمع والأخلاق والقيم الإنسانية.
في الإسلام، بعد البحث والتحري، يقوم أعضاء الشورى بتعيين الملك أو الأمير أو رئيس الوزراء، وعلى خلاف ذلك، في النظام الجمهوري، يتقدم كل شخص بنفسه، ويمدح أعماله وخدماته.
في النظام الإسلامي يتم اختيار الأمير والملك والرئيس ورئيس الوزراء على أساس الإيمان والتقوى والكفاءات، وعلى خلاف ذلك، في النظام الجمهوري تُنال المناصب بواسطة الملصقات والرايات، وطلب الأصوات، وإنفاق الأموال الطائلة، والدعاية الكاذبة.
في الجمهورية الغربية تؤدي الأحزاب السياسية دورًا مهمًّا، ولا تنمو الجمهورية من دون حزب المعارضة والحزب الحاكم، وعلى خلاف ذلك، لا مكان في النظام الإسلامي للأحزاب السياسية على الطريقة الغربية، بل يكون المسلمون جميعًا جماعةً واحدة، ويكون مقصد الجميع وحده إعلاء كلمة الله تعالى، وفي مقابل ذلك يكون حزب الشيطان (جماعة الشيطان)، ووفقًا للإسلام فإن إحداث الفرقة والتكتلات بين جماعة المسلمين أمر غير جائز، كما يقول الله تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.[1]
وكذلك، إذا كانت هناك أحزاب كثيرة في النظام الإسلامي والمجتمع المسلم تسعى إلى الوصول إلى السلطة، فإن قوة المسلمين ستضعف في مواجهة الباطل. كما يقول الله تعالى:
تظلّ نار الخلاف مشتعلةً دائمًا بين الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة للحكومة، وينتقد بعضهم بعضًا انتقاداتٍ لا مبرر لها، لمجرد إسقاط قبول خصومهم لدى الشعب، ويستخدم كل حزب جميع الوسائل لتشويه سمعة الأحزاب الأخرى، وفي هذا النظام الملعون لا يتم تأييد أي قانون أو شخص على أساس الحق والصدق، بل يتم ذلك على أساس الحزب، ويكون تأييد الحزب ومساندته أمرًا ضروريًّا في كل حال، وفي هذا النظام القائم على التحزّب والتكتلات، يكاد يكون من المستحيل التعاون مع الأحزاب الأخرى في أعمال الحق والصدق والخير، وكل هذه الأمور تتعارض مع الإسلام وتخالفه.
بما أن النظام الجمهوري يقوم على الأحزاب، فإن الحزب الذي يصل إلى السلطة لا يولي المسؤوليات إلا لأفراد حزبه، ولا تُمنح الوظائف إلا لهم، ويُنفَق المال العام، الذي جُمِع من أموال جميع الناس، على أفراد الحزب وحدهم، بل ويفتخرون بكل هذه المظالم والخداع والأعمال المحرمة، ويعدّونها من أعمال الثواب، فهل يتوافق مثل هذا النظام مع الإسلام؟ كلا، أبدًا.
وفقًا لتعاليم القرآن الكريم والأحاديث النبوية، ينبغي أن يحترم بعضنا بعضًا، وأن يصون بعضنا كرامة بعض، وأن يتعاون كل مسلم مع غيره في أعمال البر والتقوى، وألا يراعي، عند التعامل بالحق والصدق، حتى أقرب أقاربه ومصالحه الشخصية، بل يكون مع الحق في كل حال.[3]
وعلى خلاف ذلك، ففي النظام الجمهوري، أثناء الحملات الانتخابية، تُمارَس إهانة بعضهم بعضًا، وإطلاق النكات والسخرية على بعضهم، والتعيير، والغيبة، والافتراء، والاتهامات الباطلة على المنابر، وتُعدّ الحملة الانتخابية غير ناجحة إذا لم تُمارَس فيها هذه الأمور.[4]
الخاتمة:
إن النتيجة المنطقية للمقارنة المذكورة أعلاه هي أنه حيثما وُجد النظام الجمهوري، فإنه لا يمكن أن يأتي النظام الإسلامي بالمعنى الصحيح، وهناك تُقام الصلاة والصيام وسائر العبادات، ولكن مثل هذه الحكومات تكون خاضعةً للنظام الجمهوري وأسيرةً له، ويؤدي ذلك إلى تقسيم المسلمين بين بلدان مختلفة.
فإذا نُفِّذ النظام الإسلامي بالمعنى الصحيح، فإن نظام الخلافة الإسلامية سيجمع جميع المسلمين في رباط الوحدة، وإذا دخل الكفار أيضًا في ظل النظام الإسلامي، ولأن النظام الإسلامي يرعى الأمن وينمّيه، فإن من كان في قلبه شرارة من الحق، ولو كانت بمقدار ذرة، فإنها ستستنير بالعقائد الصحيحة والأعمال النورانية، وكذلك لا يسعى النظام الإسلامي إلى جعل الناس الخاضعين لسلطته محكومين وعبيدًا، بل يخرج جميع الناس من أسر أهواء النفس ومن عبودية الناس واستعبادهم، ويهديهم إلى عبادة خالقهم ومالكهم، والقول الصحيح والحق هو أن الحرية والتحرر والتقدم الكبير لا تكون إلا في العبودية الكاملة لله تعالى وفي الدين الإسلامي، نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعًا من عباده الصادقين.[5]
ملاحظة:
ذكرنا هذه الأمور القليلة على سبيل المقارنة، ومن خلالها يمكنكم أن تعرفوا: إن كان النظام الجمهوري والديمقراطية الغربية ليسا من الدجالية، فما هما إذن؟ لا شك أن الجمهورية مؤامرة قوية ضد الإسلام والدين الحق، وينبغي للمسلمين أن يقطعوا صلتهم بهذا النظام الدجالي، وأن يجعلوا حياتهم كلها قائمةً على أصول الإسلام الخالصة.
وهدف هذا النظام الشيطاني هو إبعاد الناس عن الدين، ولا سيما عن الدين الإسلامي، وجعلهم عبيدًا لرأس المال وشهوات النفس، وتقف وراء هذا النظام السيئ أموال طائلة، وصندوق النقد الدولي (IMF)، والبنك الدولي، ومؤسسات شيطانية أخرى، لا تحقق من خلال هذا النظام إلا مصالحها.
وفي هذا النظام الشيطاني يُسقى عباد الله نشوةً من الثروة والمناصب، حتى يتكوّن لدى الساعين في هذا النظام اعتقادٌ مفاده أن الدستور الجمهوري هو كتاب الله تعالى، ولذلك فإن أي كلام يخالف الدستور والقانون الجمهوري، مهما كان صادقًا وقائمًا على الحقيقة، لا يكون مقبولًا في نظر أتباع هذا النظام، وعلى العكس من ذلك، فإن أي كلام، مهما كان بعيدًا عن الحقائق والحق، إذا كان موافقًا للدستور الجمهوري، فإنه يكون في نظرهم كلمة الحق.
والسبب في ذلك أن القوى الشيطانية التي تقف وراء هذا النظام الجاهل، والقوى التي تدير هذا النظام، قد جعلت الدستور الجمهوري في حد ذاته بمنزلة القرآن الكريم والعیاذ بالله، ومن الواضح أن من يقبل هذا النظام من أعماق قلبه لا يستطيع أن يسلم من آثاره.[6]
يتبع…
[1] (آل عمران: 103).
[2] ( الأنفال: 46).
[3] ( المائدة: 2)؛ ( النساء: 135).
[4] أسرار العروج: 31ـ32، دار الإيمان كربوغه.
[5] أسرار العروج: 34، دار الإيمان كربوغه.
[6] أسرار العروج: 34ـ35، دار الإيمان كربوغه.
تعليق واحد
تنبيه: الإسلام والديمقراطية | القسم: 14 - کلمات عربي