
الكاتب: أبو عائشة محمد إسحاق
البعث بعد الموت القسم الثاني والثلاثون
أدلة القائلين بالتناسخ
النموذج الثاني: المنهج الخاص
احتجّ أفراد هذه الطائفة، الذين يعدّون أنفسهم مسلمين، بآيتين كريمتين لإثبات دعواهم، وزعموا أنهما تدلان على مذهبهم:
1- قال الله تعالى:
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِیمِ ٦ ٱلَّذِی خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ ٧ فِیۤ أَیِّ صُورَةࣲ مَّا شَاۤءَ رَكَّبَكَ ٨﴾.[1]
2- وقال الله تعالى:
﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾.[2]
ويزعمون أن آيات سورة الانفطار المذكورة تدلّ على انتقال روح الإنسان إلى صور مختلفة، سواء أكانت صورًا بشرية أم غير بشرية.
الرد على هذا المنهج
لا صلة لهذه الآيات من سورة الانفطار بالتناسخ؛ لأن السورة نزلت لتذكير الإنسان بيوم الجزاء، يوم تعلم كل نفس ما قدّمت وأخّرت. ثم تعرض السورة بعض عجائب الخلق والتكوين الدالة على وقوع يوم القيامة، ولا سيما قول الله تعالى:
﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾.[3]
ويقول الشيخ القاسمي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾: أي جعل أعضاءك وقواك متعادلةً، والتسوية في أصل معناها جعل الشيء سويًّا. ومعنى ﴿فَعَدَلَكَ﴾: أنه خلقك معتدل الخِلقة، متناسب القامة، ولم يخلقك على هيئة البهائم.[4]
وخلاصة كلام ابن حزم رحمه الله في كتابه «الفصل في الملل والأهواء والنحل» في الرد على هذه الطائفة أن إجماع المسلمين على كفرها يكفي في الرد عليها؛ إذ إن أصحاب هذا القول لا يُسمَّون مسلمين، ولم يأتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من ذلك. كما أجمع المسلمون على أن الجزاء، سواء أكان نعيمًا وثوابًا أم عذابًا وعقابًا، يناله الإنسان بعد مفارقة الروح للجسد وقبل يوم القيامة. ثم يدخل الجنة أو النار بعد الحشر، ويكون ذلك بعد أن تعود الأرواح إلى أجسادها من جديد.[5]
أما استدلالهم بالآيتين، فيكفي لإبطال استدلالهم ما سبق ذكره من إجماع المسلمين؛ إذ أجمعت الأمة على أن المراد بهما غير ما ذكره هؤلاء الملحدون. فالمراد بقول الله تعالى: ﴿فِیۤ أَیِّ صُورَةࣲ مَّا شَاۤءَ رَكَّبَكَ﴾ الصورة التي خلق الإنسان عليها، من طول أو قِصر، وحُسن أو قبح، وبياض أو سواد، وما شابه ذلك.
أما الآية الأخرى، فإن الله تعالى يذكر فيها نعمه على عباده، وكيف امتنّ علينا بأن خلق لنا من أنفسنا أزواجًا، وخلق من الأنعام أصنافًا وأنواعًا متعددةً لننتفع بها على وجوه مختلفة.[6]
وخلاصة الرد على القائلين بالتناسخ أن قولهم مبني على الظن والتخمين، لا على اليقين، وإنما هو ثمرة أوهام العقل وشطحات الخيال. إن حقيقة حياة الإنسان، في ماضيها ومستقبلها، لا تُستقى من أقوالهم، وليست خبرًا عن حادثة غريبة أو رواية نادرة؛ بل الواجب التسليم بما أخبر به خالق الحياة وخالق الأحياء، الذي يبيّن الحق، وهو خير الحاكمين.[7]
وهناك طائفة أخرى من القائلين بالتناسخ لا تؤمن بالإسلام ولا تنتسب إليه. ويقول أفرادها: إن النفس غير متناهية، وإن العالم أيضًا لا نهاية له، وهي لا تزال تنتقل، وليس انتقالها إلى بدن من نوع بدنها السابق بأولى من انتقالها إلى بدن من نوع آخر.
وتوجد طوائف أخرى تقدّم بعض الأدلة لإثبات دعواها، غير أن آراءها تشبه إلى حدّ كبير آراء الطائفة الثانية؛ ولذلك نُعرض عن ذكرها هنا.
ومما ينبغي لكل مسلم أن يعلمه أن التناسخ معتقد بدائي وثني يتعارض مع جميع الأديان التي أنزلها الله تعالى؛ لأن هذه الأديان تثبت أن الإنسان إذا مات انتقلت روحه إلى بارئها، سواء أكانت مستحقّةً للنعيم أم للعذاب والعقاب. وللروح بالجسد صلة لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى، إلى أن يأتي يوم القيامة، فتُعاد الأرواح إلى أجسادها، ويُبعث الناس للحساب، ثم ينتهون إلى مصيرهم الأخير: الجنة أو النار.[8]
وخلاصة القول: إن التناسخ يعني أن الروح لا تعود إلى جسدها الأول، وأن أصحابه ينكرون القيامة والجنة والنار بمعانيها الشرعية، وكذلك الثواب والعقاب الأخرويين. وهم يعتقدون أن الأرواح تنتقل إلى أجساد مختلفة بحسب أعمال أصحابها السابقة. وقد سبق توضيح ذلك؛ فأرواح المحسنين تنتقل ــ بزعمهم ــ إلى أجساد تنعم فيها، وأرواح المسيئين تنتقل إلى أجساد تُعذَّب فيها.[9]
يتبع…
[1] سورة الانفطار، الآيات: 6–8.
[3] سورة الانفطار، الآية: 19.
[4] المسير، د. محمد سيد أحمد، الروح في دراسات المتكلمين والفلاسفة، سنة 1988م، ص: 208–209.
[5] ابن حزم، علي بن أحمد، الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق: د. محمد إبراهيم نصر ود. عبد الرحمن عميرة، بلا تاريخ، ج 1، ص: 166.
[6] المرجع السابق، ص: 167.
[7] المسير، د. محمد سيد أحمد، الروح في دراسات المتكلمين والفلاسفة، سنة 1988م، ص: 209.
[8] ابن حزم، علي بن أحمد، الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق: د. محمد إبراهيم نصر ود. عبد الرحمن عميرة، بلا تاريخ، ج 1، ص: 166.
[9] العواجي، د. غالب بن علي، فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها، سنة 1422هـ/2001م، ج 2، ص: 625.