
الكاتب: أبو عائشة محمد إسحاق صالحي
البعث بعد الموت القسم الخامس والعشرون
الشبهة الثالثة: شبهة الاستبعاد
مع أن هذا الموضوع قد سبق بيانه بإيجاز في الأقسام الماضية، ولا سيما في القسم المتعلق بأسباب إنكار البعث بعد الموت، فإننا نذكره هنا مرةً أخرى؛ لكونه مطروحًا في كثير من الكتب بوصفه إحدى شبهات منكري البعث بعد الموت.
ومقصود هذه الشبهة أن بعض المنكرين المعاصرين قد وافقوا المشركين الذين أنكروا البعث بعد الموت في صدر الإسلام، وسلكوا سبيلهم.
وهذه الشبهة إحدى الشبهات التي أثارها منكرو البعث بعد الموت؛ إذ أثاروها مقتدين بآبائهم وأجدادهم، وكان مجرد عدولهم عن اعتقادهم هذا شاقًّا وعسيرًا عليهم؛ لأنهم لم يشاهدوا الموتى يحيون بعد أن دُفنوا، ويخرجون من قبورهم ليخبروهم عن العالم الآخر. كما أنهم يشاهدون الديدان تأكل الميت بعد أيام من موته، ثم يتحول جسده إلى تراب وعظام بالية، فكيف يُتصوَّر أن يعود مرةً أخرى بعد موته؟
وقد عرض القرآن الكريم شبهتهم بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾[1].
الجواب عن الشبهة
نقول في جواب هؤلاء: إن الله تعالى قد بيّن في آيات كثيرة مسألة البعث بعد الموت، وجعلها أمرًا محتومًا ووعدًا قاطعًا لا بد من تحققه، وقد أجابهم صراحةً بقوله تعالى:
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.[2]
ويقول الله تعالى في بيان زعم الكفار وظنهم بشأن البعث بعد الموت:
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.[3]
ونقول اليوم أيضًا لمن يثيرون هذه الشبهات ويسلكون سبيل أسلافهم: أترون أن الله الذي خلق الإنسان من العدم يعجز عن إعادة خلق البشر؟ أعملوا عقولكم، وتفكّروا في هذا الأمر!
الشبهة الرابعة: القلق والاضطراب الناشئان عن المعاد
هذه الشبهة هي القلق الداخلي الذي يعانيه الإنسان عند الحديث عن البعث بعد الموت. وهذه الشبهة من الشبهات التي أثارها أنصار المذهب المادي؛ إذ يقولون إن التفكير في الآخرة يصيب الإنسان بالقلق الداخلي والخوف.
وقد تناول أحد الفلاسفة هذه المسألة، وعبّر عن رأيه ورأي أتباعه على النحو الآتي، فقال راسل: «ظلّ الخوف من جهنم، حتى يومنا هذا، مصدرًا للقلق والحزن الشديدين بدرجات متفاوتة، وبدّد كثيرًا من الطمأنينة والتعزية اللتين يمنحهما الإيمان بخلود الروح للإنسان. وقد تجلّى الدافع إلى إنقاذ الآخرين من نار جهنم أحيانًا في صورة نوع من الإيذاء والضغط؛ لأنه إذا أضلّ مبتدعٌ الناسَ وتسبّب في حلول اللعنة عليهم، فلا يمكن حينئذ عدُّ أي درجة من العذاب ظلمًا، ما دام ذلك العذاب يُستخدم للحيلولة دون وقوع تلك اللعنة الهائلة».
الجواب عن هذه الشبهة
نقول في جواب هؤلاء: إن الإيمان باليوم الآخر لا يبعث على القلق والخوف، بل إن الأمر على خلاف ما يعتقدونه تمامًا. فالإيمان باليوم الآخر يحقّق السعادة للفرد والمجتمع. وليس هذا فحسب، بل إن الإيمان باليوم الآخر يحرّر الإنسان من الخوف، ويفتح أمامه أبوابًا كثيرةً للآمال والتطلعات.
ولهذا يتطلع الإنسان إلى نيل الثواب الأبدي الذي لم ينله في هذه الدنيا. ولكي تتحقق مقتضيات العدالة في وجدان الإنسان، لا بد من يوم يتميز فيه الحق من الباطل، ويصل الحق إلى صاحبه. ولذلك كان الإيمان باليوم الآخر ضرورةً أخلاقيةً من ناحية، وضرورةً سلوكيةً من ناحية أخرى.[4]
يتبع…
[2] سورة النحل، الآية: 38.
[3] سورة التغابن، الآية: 7.
[4] المقدّم، جيهان نور الدين محمد، «المعاد بين المثبتين والمنكرين: دراسة تحليلية نقدية»، مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية، المجلد السابع والثلاثون، العدد الثاني، سنة 2019م، ص 65.