
الكاتب: أبو عائشة محمد إسحاق صالحي
البعث بعد الموت القسم الرابع والعشرون
الشبهة الثانية: شبهة الآكل والمأكول
إذا كان الله تعالى يعيد الإنسان يوم القيامة ببدنه المادي، وبعبارة أخرى: يعيد جسم الإنسان وروحه معًا، فإن الإشكال الآتي يَرِدُ هنا: إذا تحلّل بدن الإنسان صار ترابًا، ثم امتصّته الأشجار، فتحوّل إلى جزء من نبات أو ثمرة، فأكله إنسان آخر وصار جزءًا من بدنه، أو إذا تغذّى إنسان، في سنوات المجاعة مثلًا، بلحم إنسان آخر، فلأيّ البدنين تصير الأجزاء المأكولة يوم القيامة؟ فإن عادت إلى البدن الأول، أصبح البدن الثاني ناقصًا، وإن بقيت جزءًا من البدن الثاني، أصبح الأول ناقصًا أو معدومًا.
الجواب عن الشبهة
أجوبةً مختلفةً قد وردت في الجواب عن هذه الشبهة، فإن تقديم الجواب الصحيح عنها أمر في غاية الأهمية؛ لأن بعض العلماء، لما لم يتمكّنوا من تقديم جواب مقنع عنها، عمدوا إلى توجيه الآيات المتعلقة بالمعاد الجسماني وتأويلها، وحصروا شخصية الإنسان في روحه وصفاته الروحية، كما سبق بيانه.
وفيما يأتي ننقل من كتاب «مجموعة كاملة من عقائد أهل السنة» جوابًا عن هذه الشبهة، يراعي آيات القرآن الكريم وينسجم كذلك مع معطيات العلم الحديث.
١- نعلم أن أجزاء بدن الإنسان تتبدّل مرارًا منذ طفولته إلى حين وفاته، حتى إن خلايا الدماغ، مع أن عددها لا يزيد ولا ينقص، تتبدّل أجزاؤها؛ لأنها تتغذّى من جهة، وتتحلّل من جهة أخرى، وهذا يؤدي، بمرور الزمن، إلى تبدّلها بالكامل. وخلاصة القول: لا يبقى في بدن الإنسان، في مدة تقلّ عن عشر سنوات، شيء يُذكر من ذرّاته الأولى.
ولكن ينبغي الانتباه إلى أن الذرّات السابقة، حين توشك على الفناء، تنقل جميع خصائصها وآثارها إلى الخلايا الجديدة؛ ولذلك تبقى خصائص الإنسان الجسمية، من لون وشكل وهيئة وسائر الصفات الجسدية، ثابتةً بمرور الزمن، وما ذلك إلا بسبب انتقال هذه الصفات إلى الخلايا الجديدة.
وبناءً على ذلك، فإن آخر أجزاء بدن كل إنسان، التي تتحوّل بعد موته إلى تراب، تحمل مجموع الصفات التي اكتسبها طوال حياته، وتُعدّ سجلًّا ناطقًا بتاريخ جسمه طوال عمره.
٢- صحيح أن روح الإنسان هي التي تشكّل أساس شخصيته، ولكن ينبغي الانتباه إلى أن الروح تنمو وتتكامل مع الجسم، وأن كلًّا منهما يؤثّر في الآخر تأثيرًا متبادلًا؛ ولذلك، فكما لا يتماثل جسمان من جميع الوجوه، لا تتماثل روحان أيضًا من جميع الوجوه.
ولهذا لا تستطيع أي روح، من دون الجسم الذي نشأت وتكاملت معه، أن تمارس نشاطها كاملًا وعلى نطاق واسع؛ فلا بدّ في يوم القيامة من عودة الجسم السابق نفسه، حتى تتصل به الروح، وتستأنف نشاطها في مرحلة أرقى، وتنتفع بنتائج الأعمال التي قامت بها.
٣- تحمل كل ذرّة من ذرّات بدن الإنسان جميع خصائصه الجسدية؛ أي إننا لو استطعنا حقًّا تنمية خلية واحدة من خلايا بدنه حتى تصير إنسانًا كاملًا، لكان ذلك الإنسان حاملًا لجميع صفات الشخص الذي أُخذت منه تلك الخلية. ألم يكن الإنسان في اليوم الأول خليةً واحدةً فحسب؟ لقد كانت «خلية النطفة» الواحدة تحمل جميع صفاته، ثم انقسمت تدريجيًّا إلى خليتين، وانقسمت الخليتان إلى أربع خلايا، وهكذا نشأت جميع خلايا بدن الإنسان.
وبناءً على ذلك، فإن كل خلية من خلايا بدن الإنسان فرع من الخلية الأولى، ولو نمت مثلما نمت تلك الخلية، لأنتجت إنسانًا يشبه صاحبها من جميع الوجوه ويحمل صفاته نفسها.
وبعد ملاحظة المقدمات الثلاث السابقة، ننتقل إلى الجواب عن أصل الإشكال: تصرّح آيات القرآن بأن آخر الذرّات الموجودة في بدن الإنسان عند موته تعود يوم القيامة إلى البدن نفسه؛ فإذا تغذّى إنسان آخر ببدنه، خرجت هذه الأجزاء من بدن ذلك الآكل، وعادت إلى بدن صاحبها الأصلي.
والأمر الوحيد الذي قد يحدث هنا هو أن يصبح البدن الثاني ناقصًا، ولكن ينبغي القول إنه لا ينقص في الحقيقة، وإنما يصغر؛ لأن أجزاء البدن الأول كانت موزعةً في جميع أنحاء البدن الثاني، فإذا أُخذت منه، نَحُلَ البدنُ الثاني كلُّه وصَغُرَ بالنسبة نفسها. فمثلًا: إذا كان وزن إنسان ستين كيلوغرامًا، ثم فقد أربعين كيلوغرامًا من وزن بدنه، وكانت هذه الأجزاء في الأصل من بدن شخص آخر».
ولكن هل يمكن أن يسبّب هذا الأمر إشكالًا؟ قطعًا لا؛ لأن هذا البدن الصغير يحمل جميع صفات الشخص الثاني كاملةً من غير نقص، ثم ينمو يوم القيامة، كما ينمو الطفل الصغير حتى يكبر، ويُحشر في صورة إنسان كامل. وهذا النوع من النمو والتكامل يوم القيامة لا يترتّب عليه أي إشكال عقلي أو نقلي.
وهل يكون هذا النمو يوم القيامة فوريًّا أم تدريجيًّا؟ لا نعلم ذلك، ولكننا نعلم أنه، على كلا التقديرين، لا ينشأ عنه أي إشكال، وأن المسألة تُحلّ في الحالتين.
ولا يبقى هنا إلا سؤال واحد، وهو: ماذا لو كان بدن إنسان مكوَّنًا بأكمله من أجزاء إنسان آخر؟ فما الحكم حينئذ؟
والجواب عن هذا السؤال واضح أيضًا؛ إذ إن ذلك محال من الأصل؛ لأن مسألة الآكل والمأكول متوقفة على وجود بدن أول يأكل من بدن آخر، ويتغذّى به وينمو. وبناءً على ذلك، يستحيل أن تكون جميع ذرّات بدن الآكل مأخوذةً من بدن المأكول؛ إذ لا بدّ من وجود بدن سابق يأكل من بدن غيره، ومن ثَمّ يكون البدن الآخر جزءًا منه، لا كلَّه.
وبناءً على ما تقدّم، يتّضح أن المعاد الجسماني بهذا البدن نفسه لا يثير أي إشكال، ولا حاجة بنا إلى تأويل الآيات التي تثبت هذا الأمر صراحةً.[1]
يقول الإمام الرازي رحمه الله: «المعتبر في حشر الأجساد أن تُعاد أجزاؤها الأصلية الباقية من أول العمر إلى آخره، لا الأجزاء المكتسبة بالتغذّي. فالذي يُعاد في الآكل والمأكول هو الأجزاء الأصلية التي هي عين الإنسان، لا الأجزاء المتبدّلة؛ لأن هذه الأجزاء هي التي بقيت من أول العمر إلى آخره».[2]
يتبع…
[1] المكي، د. مجد، «مجموعة كاملة من عقائد أهل السنة»، ترجمة فيض محمد بلوش، ج ٢، ١٣٩٤هـ. ش، ص ٦٩٦-٦٩٨.