كما سبق بيانه، فإن الذين ينكرون البعث بعد الموت يُعَدّون كفارًا بإجماع علماء الأمة.
إنكار البعث بعد الموت تكذيبٌ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقد دلّت على ذلك آيات من القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
يُعَدّ إنكار البعث بعد الموت من أخطر العقائد التي تؤثر في سلوك الإنسان؛ فمن لا يؤمن به، ويظن أن الحياة تنتهي بالموت، يدفعه هذا الاعتقاد إلى الانغماس في السيئات، وارتكاب الظلم والطغيان، والإفساد في الأرض، وانتهاك حقوق الآخرين؛ لأنه يعتقد أنه لن يُحاسَب على أعماله مهما كانت. وهذا من أعظم أضرار ذلك الإنكار.
إنكار البعث بعد الموت سوءُ الظنّ بالله تعالى. قال ابن القيم رحمه الله: «من ظن أن الله تعالى لا يجمع عباده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يُثاب فيها المحسن ويُعاقب فيها المسيء، ولا يبيّن لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ولا يُظهر للعالمين صدقه وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يبيّن للناس أن أعداء الله تعالى كانوا هم الكاذبين، فقد أساء الظن بربه حقًّا».[1]
وسوء الظن بالله تعالى من أعظم الذنوب، وعقوبته شديدة. قال الله تعالى:
تأمل: إذا كانت الشريعة الإسلامية قد حرّمت إساءة الظن بعباد الله، فما أعظم جنايةَ مَن يسيء الظن برب العالمين!
ومن أضراره الخطيرة أيضًا أنه يجعل الإنسان من شر المخلوقات، بل يجعل الإنسان شرًّا من الكلاب والخنازير.[3]
ولا تقتصر نتائج إنكار البعث بعد الموت على الأضرار والمشكلات المذكورة، بل تتجاوزها إلى ما هو أخطر؛ إذ يؤدي هذا الإنكار إلى تعطيل أسماء الله تعالى وصفاته عن مقتضياتها، وكأن منكريه لا يعترفون بأن الرب تعالى هو مالك هذا العالم.
وخلاصة القول في أهمية البعث بعد الموت وعِظم جناية منكريه أن هذه الجملة وحدها تكفي: «إنكار البعث بعد الموت أصل الجرائم والذنوب كلها».[4]
وهذه، في الحقيقة، قاعدة عامة يمكن تطبيقها على مسائل كثيرة، وقد أثبت الواقع ذلك أيضًا؛ فالذين يخافون اليوم الآخر ويؤمنون بالبعث بعد الموت يتحرّون الحذر دائمًا في أعمالهم. فالتجار وأصحاب المتاجر الذين يخافون ذلك اليوم لا يغالون في أسعار سلعهم بما يُلحق الضرر بالناس؛ والموظفون الذين يدركون شدائد ذلك اليوم لا يؤذون الناس بتأخير معاملاتهم مرارًا، أو إبقائهم في انتظار لا مسوّغ له.
ويُسهم الإيمانُ بالبعث بعد الموت والجزاء على الأعمال في ترسيخ إيمان العبد بالله تعالى، ويطهّر قلبه من الشرك وعبادة الأصنام والانحراف. وبهذا الإيمان تقوى صلة المؤمن بربه، ويزداد استشعاره مراقبةَ الله تعالى لأعماله، ويحرص دائمًا على نيل رضاه؛ لينجو من أهوال اليوم الذي قال الله تعالى فيه:
وإذا لم يكن ثمة بعث بعد الموت، ولا حساب، ولا جزاء على الأعمال، فإن الإيمان بالله يغدو مجرد تصور عقلي لا أثر له في سلوك الإنسان، ولا قدرة له على كبح شهوات نفسه.
وحين يتذكّر المؤمن ذلك اليوم، أي يوم البعث بعد الموت والجزاء، ويستحضر أهوالَه في ذهنه وقلبه، يفكّر في العذاب الذي يواجهه العصاةُ والمخالفون. وقبل أن يرتكب منكرًا أو يقع في معصية، يخشع ويطأطئ رأسه إقرارًا بعجزه وضعفه بين يدي الله تعالى.
وإذا ظلّ ذكر هذا اليوم حاضرًا في ذهن المؤمن وقلبه، كان ذلك قوةً تعينه على التحرّر من الدوافع الشهوانية والنزعات النفسية الدنيئة كلما دعته نفسه إلى منكر، أو جذبته شهواته إلى معصية.[6]