الكاتب: أبو عائشة محمد إسحاق
البعث بعد الموت القسم الثالث والثلاثون
تمهيد
تناولنا في الأقسام السابقة موضوعات مختلفة تتعلّق بـ«البعث بعد الموت» والمعتقدات المرتبطة به، وتبيّن لنا مدى أهمية هذا الموضوع. وقبل أن نختم الحديث عنه، من المناسب أن نبيّن الآثار والنتائج الإيجابية والسلبية المترتبة على الإيمان بالمعاد في حياة الفرد والمجتمع.
الإيمان بالمعاد وأثره في حياة الإنسان
يُعدّ الإيمان بالمعاد أحد أركان الاعتقاد في الأديان السماوية، كما أنه اعتقادٌ فطريٌّ كامن في أعماق كل إنسان، فإذا نُمِّي هذا الاعتقاد تنمية صحيحة، ترتبت عليه آثار نفسية وتربوية وروحية وأخلاقية كثيرة.
وللاعتقاد بالمعاد أثر بالغ في سلوك الإنسان؛ لأن من يؤمن بالقيامة يدرك أن أعماله محسوبة عليه، فيبتعد عن معصية الله تعالى التي تؤدي إلى سخطه وحرمان العاصي من دخول الجنة، وتُلحق الضرر بحياته الآخرة؛ ولذلك يسير في حياته بحذر.
ومن الحقائق الواضحة أن الذين لا يؤمنون بالقيامة والبعث بعد الموت وحشر العباد إلى الله تعالى لا يجدون ما يردعهم عن الوقوع في الخطأ وارتكاب الذنوب، ولا ما يدفعهم إلى اجتناب المعاصي والآثام. ومن ثَمَّ فإن ما يردع الإنسان عن ذلك هو إيمانه بالقيامة وما يتصل بها من أمور.
وإذا ترسّخ هذا الاعتقاد في المجتمع، لم يُقدم أفراده على الأعمال من غير نظر في عواقبها، بل يجتنبون كل عمل يؤثر سلبًا في آخرتهم. ولذلك فإن الاعتقاد بالقيامة والبعث بعد الموت بالغ الأثر في تنظيم سلوك الناس، كما أنه يجعل حياة الإنسان هادفة.
وللاعتقاد بالآخرة أثر كبير في توجيه مسار حياة الإنسان. فمن أراد إصلاح مجتمع، فعليه قبل كل شيء أن يرسّخ فيه الاعتقاد بالآخرة، وإلا فلن يصلح ذلك المجتمع، بل سيتراجع يومًا بعد يوم؛ لأن المحاسبة إذا غابت، فعل الناس ما يشاؤون من غير حساب ولا رقيب.
الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، وأحد أسس العقيدة الإسلامية. وبعد الإيمان بوحدانية الله تعالى، يُعدّ الإيمان بالبعث بعد الموت الأصل الثاني فيها.[1]
ويتجلّى أثر الاعتقاد بالمعاد في حياة الفرد في وقايته من الذنوب، وحمايته من الرذائل الأخلاقية، وصون سلامته النفسية وطمأنينته الروحية. وللإيمان بالمعاد أثر بالغ في سلوك الإنسان وأعماله؛ إذ إن أعماله انعكاس لمعتقداته، أو بعبارة أخرى: يرتبط سلوك كل إنسان برؤيته للعالم ارتباطًا مباشرًا وثيقًا. وفي ظل الإيمان بالمعاد، يسهُل أداء التكاليف الشرعية، وتتغيّر نظرة الإنسان إلى الدنيا، ويندفع إلى السعي لتحقيق الغايات الإنسانية السامية والتحلّي بالفضائل الأخلاقية.
والاعتقاد بالمعاد من أفضل وسائل إصلاح الإنسان وبلوغه مراتب الكمال، في حين يؤدي إنكاره إلى الضلال وسوء العاقبة. ويرى القرآن الكريم أن الإيمان بالمعاد ضروري لتربية الإنسان؛ ولذلك جاء التذكير به في آيات كثيرة، ووعظ الله عباده به؛ لأن تربية الإنسان لا تكتمل من دون الإيمان بالمعاد.
وللإيمان بالمعاد آثار كثيرة، وهي الآثار التي تظهر في حياة الشخصية للفرد، مثل: التزام التقوى، والمراقبة والمحاسبة، والتخلّص من الغفلة، والاعتدال في التطلّعات، وغير ذلك.
وبناءً على ما ذُكر في الأقسام الماضية بشأن المعاد والبعث بعد الموت، وفي ضوء البحث في المصادر ودراستها، نبيّن فيما يأتي أهم الآثار النافعة للإيمان بالمعاد:
1- إضفاء المعنى على الحياة
من آثار الإيمان بالمعاد في تشكيل حياة الإنسان أن الحياة في هذا العالم ستكون عبثًا وبلا معنى إذا لم تكن هناك حياة بعد الموت. وقد بيّن القرآن الكريم أن علاج العبث وانعدام المعنى يكون بالإيمان بالمعاد، وأن جميع مخلوقات هذا العالم، ومن بينها الإنسان، راجعة إلى الله تعالى. ويتّضح بذلك أن الحياة الدنيا ليست هي الغاية، وإنما هي مقدمة للانتقال إلى الدار الأبدية في الآخرة، حيث يحقّق الإنسان جميع رغباته وينال مطالبه، بخلاف الدنيا تمامًا. وبناءً على ذلك، لا يكون مصير الإنسان العبث والضياع.
قال الله تعالى:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾.[2]
2- كبح الشهوات النفسية
ويُعدّ تذكُّر المعاد من أهم العوامل التي تحرّر العقل من أسر الهوى، وتمكّن الإنسان من ضبط غرائزه والسيطرة عليها؛ إذ تمنعه من اتباع الشهوات، فتنمو بذلك الفضائل الأخلاقية، وتقوى فيه الصفات الحميدة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ».[3]
ويحمل تذكُّر الموت الإنسانَ على التفكّر فيه وفيما يعقبه من أحداث، والاستعداد لأهوال الآخرة وشدائدها.
3- الشعور بالمسؤولية
من الآثار المباركة للاعتقاد بالمعاد إيقاظ الشعور بالمسؤولية في نفس الإنسان. فالإنسان في التصور القرآني محاسَب على أعماله وتصرفاته. وينبع هذا الشعور من إيمانه بالمعاد، فينعكس على سلوكه كله، ويدفعه إلى استحضار وقوفه بين يدي الله تعالى ومساءلته عن كل عمل يصدر منه.
وقد ذكّر القرآن الكريم الإنسان في عدد من الآيات بمساءلته ومؤاخذته يوم القيامة، فقال تعالى:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِینَ ۝٩٢ عَمَّا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ ۝٩٣﴾.[4]
4- الوقاية من الذنوب
يمكن أن يكون الاعتقاد بعالم الآخرة رادعًا قويًّا عن ارتكاب الذنوب، ودافعًا إلى فعل الأعمال الصالحة. فالذي يؤمن بالعالم الآخر يبتعد عن الذنوب والرذائل، ويُقبل على الفضيلة والطهارة، وإذا وقع في شيء من الذنوب استغفر الله تعالى.
ولهذا عدّ القرآن الكريم الإيمان الراسخ بعالم الآخرة من صفات المتقين، وأوصى المؤمنين بالتقوى، وذكّرهم بأحوال أهل الجنة وأهل النار، وبيّن أنهم لا يستوون، وأن أهل الجنة هم الفائزون.
قال الله تعالى:
﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.[5]
يتبع…
القسم السابق
[1] مَكِّي، د. مَجْد، مجموعة كاملة من عقائد أهل السنة، ترجمة فيض محمد بلوش، ج 2، سنة 1394هـ.ش، ص:    714.
[2]  سورة المؤمنون، الآية: 115.
[3] سنن الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ج 4، ص: 553، رقم الحديث: 2307.
[4] سورة الحجر، الآيتان: 92–93.
[5] سورة الحشر، الآية: 20.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version