الكاتب: أبو عائشة محمد إسحاق
البعث بعد الموت القسم الرابع والثلاثون
الإيمان بالمعاد وأثره في حياة الإنسان
أهم الآثار النافعة للإيمان بالمعاد (تتمة)
٥- إضفاء المعنى على الحياة
من آثار الإيمان بالمعاد أنه يضفي معنى على حياة الإنسان؛ إذ تغدو حياته في هذا العالم عبثًا وبلا معنى إذا لم تكن هناك حياة بعد الموت. وقد بيّن القرآن الكريم أن الإيمان بالمعاد هو سبيل الخلاص من العبث وانعدام المعنى، وأن جميع مخلوقات هذا العالم، ومن بينها الإنسان، صائرة إلى اللَّه تعالى. ويتّضح بذلك أن الحياة الدنيا ليست هي الغاية، وإنما هي مقدمة للانتقال إلى الدار الأبدية في الآخرة، حيث يحقّق الإنسان جميع رغباته وينال مطالبه، بخلاف الدنيا تمامًا. وبناءً على ذلك، لا تؤول حياة الإنسان إلى العبث والضياع.
قال اللَّه تعالى:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾[1]
٦- كبح الشهوات النفسية
يُعدّ تذكُّر المعاد من أهم العوامل التي تحرّر العقل من أسر الهوى، وتمكّن الإنسان من ضبط غرائزه؛ إذ تمنعه من اتباع الشهوات، فتنمو بذلك الفضائل الأخلاقية، وتقوى الصفات الحميدة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ».[2]
ويحمل تذكُّر الموت الإنسانَ على التفكير فيه وفيما يعقبه من أحداث، والاستعداد لأهوال الآخرة وشدائدها.
٧- الشعور بالمسؤولية
من الآثار المباركة للاعتقاد بالمعاد إيقاظ الشعور بالمسؤولية في أعماق الإنسان. فهو في التصور القرآني محاسَب على أعماله وتصرفاته. وينبع هذا الشعور من إيمانه بالمعاد، فينعكس على سلوكه كله، ويدفعه إلى استحضار وقوفه بين يدي اللَّه تعالى، وإدراك مسؤوليته عن كل عمل يصدر منه.
وقد ذكّر القرآن الكريم الإنسان في عدد من الآيات بمساءلته ومؤاخذته يوم القيامة، فقال تعالى:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[3]
٨- الوقاية من الذنوب
يُعدّ الإيمان بالآخرة رادعًا قويًّا عن ارتكاب الذنوب، ودافعًا إلى فعل الأعمال الصالحة. فالذي يؤمن بالآخرة يبتعد عن الذنوب والرذائل، ويُقبل على الفضيلة والطهارة، وإذا وقع في شيء من الذنوب استغفر اللَّه تعالى.
ولهذا عدّ القرآن الكريم الإيمان الراسخ بالآخرة من صفات المتقين، وأوصى المؤمنين بالتقوى، وذكّرهم بأحوال أهل الجنة وأهل النار، وبيّن أنهم لا يستوون، وأن الفوز لأهل الجنة وحدهم.
قال اللَّه تعالى:
﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾[4]
٩- تحقيق الإخلاص
من أعذب ثمرات الإيمان بالمعاد تطهير النيات من الشرك والرياء. فالإنسان المؤمن يجعل رضا اللَّه تعالى غايته في حياته وأعماله، ويتحرّر من التعلّق بما سواه؛ إذ يدرك أن التعلّق بالدنيا يُلهيه ويصرفه عن غايته الأساسية. ولذلك، فإن من يؤمن بالبعث بعد الموت والحساب على الأعمال لا يبتغي بعمله رضا أحد سوى اللَّه تعالى. ومن المهم إدراك أن العمل الصالح والإخلاص فيه من ثمار استحضار الآخرة على الدوام.
قال اللَّه تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾[5]
١٠- تحمُّل المصائب والشدائد
من الآثار التربوية الأخرى للإيمان بالمعاد في حياة الفرد الصبر على المصائب والشدائد. فهذا الإيمان يمنح الإنسان قوة تمكّنه من مواجهتها بثبات، كما يهوّن عليه الجهاد وسائر الواجبات، ويحميه من الوقوع في المعاصي والذنوب.
ويبعث هذا الاعتقاد الطمأنينة في نفسه، ويعينه على تجاوز مختلف المشكلات. أما الذين يؤمنون بالجنة الخالدة، وبلقاء رب العالمين، وبالنعم التي أعدّها اللَّه لعباده، فلا يستثقلون الشدائد، بل يَسْهُل عليهم أيضًا تجرُّع كأس الشهادة وبذل أرواحهم في هذا السبيل.
١١- الطمأنينة الروحية والنفسية
من آثار إعراض الإنسان عن القيم الروحية إصابته بالاكتئاب والقلق، وإنما يبعث السكينة في نفسه الإيمان باللَّه تعالى والاعتقاد بالمعاد. فالمؤمن، لما كان لا يرى الموت نهاية للحياة، يعيش مطمئن النفس، وينظر إلى الحياة نظرة متفائلة، ولا يقلق من المستقبل، وتمتلئ روحه بالسرور. ولا شك في أن هذا الاعتقاد يدفع الإنسان إلى تهذيب نفسه، والتحلّي بمكارم الأخلاق، وتطهير أعماله.
قال اللَّه تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾[6]
فمن آمن بالمعاد والبعث بعد الموت إيمانًا حقيقيًّا نابعًا من أعماق قلبه، أصبحت لحياته غاية ومعنى، وعاش في سكينة واطمئنان.
قال اللَّه تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[7]
يتبع…
القسم السابق
[1] سورة المؤمنون، الآية: 115.
[2] سنن الترمذي، تحقيق شاكر، 4/553، رقم الحديث: 2307.
[3] سورة الحجر، الآيتان: 92-93.
[4] سورة الحشر، الآية: 20.
[5] سورة البقرة، الآية: 264.
[6] سورة طه، الآية: 124.
[7] سورة الرعد، الآية: 28.
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version