إنَّ ما ذُكِرَ في المباحثِ الماضيةِ لا يُمثِّلُ إلا جزءًا يسيرًا من الخططِ والأعمالِ التي سلكها المستعمِرون في أفغانستان. أمَّا التحليلُ الدقيقُ والمفصَّلُ للتحرُّكاتِ التي قاموا بها لتحقيقِ أهدافهم الاستعماريةِ، فإنَّه يحتاجُ إلى تفحُّصٍ شاملٍ وبحثٍ معمَّقٍ، ولعلَّ هذا الموضوعَ يتَّسعُ لتأليفِ عددٍ كبيرٍ من الكتبِ والدراساتِ والمقالاتِ. وعلى أيِّ حالٍ، فإنَّ ممَّا يُبعثُ على السرورِ ويستحقُّ الفخرَ أنَّ الاستعمارَ الغربيَّ، ومعه أتباعُه، قد باءَ في أفغانستانَ بهزيمةٍ نكراءَ، وانكسرت هيبتُه الزائفةُ، وسقطت أوهامُ قوَّتِه. وقد كانت الدولُ الاستعماريةُ، بعد أن غيَّرت أساليبَها الاستعماريةَ، تأملُ أن تُحقِّقَ النصرَ في هذه المرحلةِ من عدوانِها الشاملِ على أفغانستان، وأن تتمكَّنَ من تنفيذِ مخطَّطاتِها الاستعماريةِ وفرضِ أفكارِها؛ غيرَ أنَّها واجهتْ مرةً أخرى صمودَ الشعبِ الأفغانيِّ المؤمنِ المسلمِ ومقاومتَه البطوليةَ، فعجزت عن بلوغِ مآربِها الخبيثةِ وتحقيقِ أطماعِها المشؤومةِ. قد اتَّخذَ الاستعمارُ الغربيُّ في أفغانستان بُعدَيْنِ رئيسَيْنِ: البُعدَ العسكريَّ، والبُعدَ الفكريَّ، وقد مُنيَ بالفشلِ في كِلَيْهِما. فأمَّا البُعدُ العسكريُّ، فقد كانت مجاهداتُ الشعبِ الأفغانيِّ المجاهدِ وتضحياتُه الجسيمةُ من أعظمِ الأسبابِ والوسائلِ التي أفضت إلى تحقيقِ النصرِ والظفرِ، وإلى تحطيمِ شوكةِ المستعمِرين.
ومن أبرزِ الأسبابِ والعواملِ التي أسهمت في نصرِ الشعبِ الأفغانيِّ المجاهدِ في مواجهةِ القوى الاستعماريةِ والدولِ المحتلَّةِ ما يأتي: